سبايكر ثقافي
كريم السيد
يوم بعد آخر، تثبت لنا داعش ومن حالفها من العراقيين بأنها عصارة تأريخية لجيفة خرجت من رحم دينية واجتماعية وسياسية وصحراوية وبرعاية دولية صريحة وواضحة. هذه الجيفة التي بدأت جلية وواضحة للعلن هنا في العراق بعد حلول عام ٢٠٠٣ مستغلة عواطف الناس (طائفيا) وعازفة على لحن الخسارة السلطوية لممارسة ارذل شريعة عرفها سكان أهل الأرض. شريعة تتخذ من القتل والسبي والدمار ثقافة، شريعة تتبنى نهجا لا يمت لرب ولا لنبي ولا لصالح بأية صلة، شريعة عجنتها ايدي التاريخ لتصل لنا على شكل اقراص من شر نأكلها مرغمين بسبب حالة التعايش المشروخة.
بعد ان بدأت القاعدة نشاطها في العراق أبان التغيير، تفرع منها فروع وجماعات، وبدأت بالتوسع والظهور للعلن كقوة على الأرض بعد الربيع العربي، ربيع التطرف الذي خلق احفاد القاعدة من داعش والنصرة والتشكيلات المتطرفة التي عوملت على أنها مقاومة في سوريا وإرهاب في العراق.
داعش التي سيطرت على الموصل منذ حزيران العام الماضي مازالت تستحكم على الأرض التي مهدتها إرادة منصات التحريض والتحشيد، داعش التي سفكت الدماء وسبت النساء واحكمت سلطتها على الرقاب، ففجرت الأضرحة والقباب، وبسطت نفوذ طقوسها الهمجية على الموصل وبقية المدن لتعيدها الى حالة ما قبل التدوين.
بالأمس القريب، اقبلت داعش على جريمة بشعة أخرى، انها جريمة قتل جديدة لا ريب بذلك، فهي محاولة لقتل الهوية الثقافية لحضارة ومدينة عريقة بالذاكرة والتاريخ ومراقد الأنبياء، يوم أقبلت على تدمير مقتنيات متحف الموصل النفيسة والعريقة والنادرة، المتحف الذي يضم قطعا أثرية لأهم حضارات هذه الأرض وذاكرتها البشرية، بعد ان اقدمت على تدمير هذا الأرث في محاولة لطمس المعالم الأثرية للمدينة وتشويهها من خلال رسم ملامح دولتهم، التي تتمدد بإجرامها وقبح افعالها، والتي لا أدري سبب سكوت اهل الموصل عنها كل هذا الوقت.
ان هذه الممارسة وإن سخّفها البعض وعلى رأسهم محافظ نينوى أثيل النجيفي يوم قال ان المحتويات بسيطة ومقلدة وغير حقيقية، أقول؛ ان هذه الممارسة غير بريئة بالمرة، وتعد سابقة خطيرة لمجاميع تعمل بطريقة غير عشوائية، وتستخدم أساليب غريبة في سبيل صناعة كل سيئ بالعراق، المجاميع التي اسماها البعض ثوارا وعشائر وانتفاضة وو…الخ من مسميات الحساسية الطائفية التي دمّرت الموصل وقسمت أهلها بين راضٍ ونازح.
هذه الجريمة لا تقل خطورة عن قتل (١٧٠٠) إنسان، واليوم؛ امست الموصل في ظل وجود هؤلاء بلا مراقد، بلا حضارة، بلا رفض لكل تدمير ولكل موت وخراب، أكتب يا تاريخ أن ما جرى في الموصل هو سبايكر آخر، إنه سبايكر ثقافي!.








