المقالات

استراتيجية الأمن القومي الأميركي 2025: قراءة اقتصادية في نهاية العولمة وبداية نظام عالمي جديد

استراتيجية الأمن القومي الأميركي 2025: قراءة اقتصادية في نهاية العولمة وبداية نظام عالمي جديد

د. نوار السعدي – أستاذ الاقتصاد الدولي

أعلنت الولايات المتحدة يوم 5 ديسمبر 2025 عن وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركي 2025، وهي في تقديري ليست مجرد وثيقة أمنية، بل إعلان اقتصادي شامل عن نهاية مرحلة كاملة من النظام العالمي الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة.
فالوثيقة، من أول صفحة حتى آخر سطر، تعكس قناعة الإدارة الأميركية بأن العولمة بصيغتها القديمة لم تعد تخدم الاقتصاد الأميركي، وأن استمرار الالتزامات الأمنية الواسعة لم يعد ممكنًا في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.

من هنا، تأتي أهمية هذه الاستراتيجية الجديدة التي يمكن وصفها بأنها أول وثيقة أميركية منذ 40 عامًا تعيد تعريف موقع الولايات المتحدة اقتصاديًا في العالم، وتحدد معادلة مصالحها بصورة مباشرة وصريحة.

 

الاقتصاد أولًا: عودة الدولة الوطنية الأميركية

تعتمد الاستراتيجية على مبدأ أساسي مفاده أن “القوة الأميركية تبدأ من الداخل”، وهذه ليست عبارة سياسية، بل رؤية اقتصادية ترتكز على واقع جديد:

  • نمو الناتج المحلي الأميركي عاد إلى مستوى 3% رغم الركود العالمي،
  • الاستثمارات الصناعية في الداخل ارتفعت إلى 78 مليار دولار في 2024 ضمن برامج إعادة التوطين،
  • تم ضخ أكثر من 130 مليار دولار في القطاعات التكنولوجية العالية،
  • والانكماش في العجز التجاري غير النفطي وصل إلى 11%.

هذه الأرقام ليست تفصيلًا تقنيًا، بل هي الأساس الذي بنيت عليه سياسة الأمن القومي الجديدة:
اقتصاد محمي، إنتاج داخلي، وتقليل الاعتماد على سلاسل التوريد العالمية.

ومن هذا المنطلق، تتبنى وثيقة 2025 ما يمكن تسميته “النسخة الحديثة من مبدأ مونرو”، ولكن بصيغة اقتصادية صناعية واضحة، تمنع أي قوة خارجية من اكتساب نفوذ في نصف الكرة الغربي أو السيطرة على أصول استراتيجية قريبة من المجال الأميركي.

 

تحول عميق في نظرة واشنطن للشرق الأوسط

على مدى 50 عامًا كان الشرق الأوسط مركز السياسة الأميركية، بسبب النفط وصراع القوى الكبرى.
لكن الوثيقة الجديدة تقول بوضوح إن هذه الديناميكيات لم تعد موجودة.

فالولايات المتحدة تنتج اليوم 12.9  مليون برميل يوميًا، وتقترب من الاكتفاء الذاتي، بينما يتجه الطلب العالمي على النفط إلى آسيا التي تستورد 70% من نفط الخليج.
وبالتالي، لم يعد للولايات المتحدة دافع اقتصادي يمنح المنطقة مركزية كما في السابق.

الوثيقة تصف الشرق الأوسط بأنه:

منطقة شراكة لا منطقة التزام عسكري طويل الأمد”.

وهذه الجملة تختصر طبيعة المرحلة المقبلة، حيث لن تهتم واشنطن بشكل الأنظمة، ولا بطبيعة الحكم، ولا بالمؤسسات الديمقراطية.
المعيار الوحيد هو: هل تقدم هذه الدولة قيمة اقتصادية أو استراتيجية ملموسة للولايات المتحدة؟

ولذلك، فإن التزامات واشنطن التقليدية مثل حماية أمن إسرائيل أو ضمان أمن الممرات المائية لم تعد التزامات دائمة، بل “خطوط حمراء” تُدار بمرونة، وبأقل كلفة ممكنة.

 

أوروبا: الخاسر الأكبر اقتصاديًا

أوروبا التي استفادت لعقود من المظلة الأميركية تجد نفسها اليوم خارج الحسابات الجديدة.
فالوثيقة تعترف بأن مرحلة “الدعم الأميركي المفتوح” انتهت، وأن على أوروبا:

  • رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي،
  • تغيير سياسات الهجرة التي كلفت اقتصاداتها أكثر من 340 مليار دولار منذ 2015،
  • وإعادة بناء صناعاتها بعد فقدان الغاز الروسي الرخيص.

بهذه المقاربة، تنتقل أوروبا من “شريك يحمى” إلى “شريك يجب أن يتحمل التكلفة”، وهو تحول اقتصادي كبير سيغير بنية التحالف الأطلسي خلال السنوات القادمة.

 

آسيا: مركز الثقل الاقتصادي العالمي الجديد

الوثيقة تعتبر أن مستقبل الاقتصاد العالمي موجود في آسيا، التي تساهم اليوم بأكثر من 55%  من النمو العالمي، وتستحوذ على 70%  من الاستثمارات التكنولوجية المتقدمة.

ولذلك تضع واشنطن اليابان وكوريا الجنوبية في مقدمة الحلفاء الرابحين، لأنهما الأكثر قدرة على:

  • استيعاب الاستثمارات الأميركية،
  • تطوير الصناعات التكنولوجية المشتركة،
  • ومواجهة التفوق التصنيعي الصيني.

في المقابل، تعتبر الهند من الخاسرين، لأنها تعتمد على منظومة العولمة القديمة التي تتجه واشنطن للتخلي عنها تدريجيًا.

 

 

 

 

الصين وروسيا: منافسة اقتصادية لا مواجهة عسكرية

أحد أهم ما جاء في الوثيقة هو الاعتراف بأن الصراع مع الصين هو صراع تكنولوجي وصناعي أكثر من كونه صراعًا جغرافيًا.
وهذا يعكس الواقع الاقتصادي:

  • الصين تملك 31% من الإنتاج الصناعي العالمي،
  • وتسيطر على 42% من سلاسل الإمداد المتقدمة،
  • واستثماراتها في الذكاء الاصطناعي تجاوزت 70 مليار دولار العام الماضي.

أما روسيا، فهي المستفيد الأكبر من تخلي واشنطن عن الالتزام العميق بأوروبا، حيث تحصل على مساحة أكبر للمناورة الاقتصادية والجيوسياسية.

 

خلاصة الوثيقة: العالم يدخل عصر ما بعد العولمة

استراتيجية الأمن القومي الأميركي 2025 هي وثيقة اقتصادية بامتياز، لأنها تعلن بوضوح:

  • نهاية العولمة بصيغتها القديمة،
  • أولوية الاقتصاد الوطني على المصالح الخارجية،
  • تقليص الالتزامات العسكرية،
  • وصعود آسيا كمحور جديد للنمو والاستثمار،
  • واعتماد تحالفات تقاس بالمنافع الاقتصادية لا بالقيم السياسية.

أما الشرق الأوسط، فهو أمام واقع جديد:
الولايات المتحدة لن تعود إلى نمط التدخل السابق، ومن ينجح في بناء قيمة اقتصادية حقيقية هو الذي سيحجز مكانه في النظام العالمي الناشئ.

هذه الوثيقة تعكس تحوّلًا تاريخيًا سيعيد رسم خرائط النفوذ الاقتصادي العالمي خلال العقد القادم، ويجبر كل دول المنطقة على إعادة بناء سياساتها الاقتصادية وفق منطق المصلحة الوطنية والقدرة على خلق شراكات استراتيجية حقيقية.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان