المقالات

الرئيس الأمريكي بين حصارين ..حصار المضيق وحصار قانون صلاحيات الحرب

الرئيس الأمريكي بين حصارين ..حصار المضيق وحصار قانون صلاحيات الحرب

✍️ حسن الياسري

يُدرك الرئيس الأمريكي تماماً أنه في حربهِ ضد الجمهورية الإسلامية قد وضع نفسه بين حصارين ، حصار مضيق هرمز وحصار قانون صلاحيات الحرب. وإليكم بيان ذلك :
١- حصار مضيق هرمز :
لا بدَّ من الإشارة ابتداءً إلى أن تصريحات الرئيس الأمريكي بشأن المضيق،منذ بدء الأزمة ، كانت متناقضةً تماماً. إذ كان يقول مرةً سنفتحه بالقوة ، وثانيةً إن المضيق لا يُهمه ، وثالثةً يطالب دول الناتو بمساعدته في فتحهِ ، ورابعةً يزعم أن الولايات المتحدة لا تحتاج المضيق وأن من يحتاجه فليفتحه بنفسه ، وخامسةً يدّعي أنه سيتشارك مع آية الله (يقصد السيد الخامنئي) في إدارة المضيق ، وسادسةً يُهدّد بزوال إيران وتدمير حضارتها إن لم تفتح المضيق !! ما يعني أنه يمكن أن يُغيّر موقفه بشأن المضيق في أية لحظة !!
وفي أعقاب الإعلان عن (عدم التوصل الى اتفاق ) في مفاوضات إسلام آباد قبل يومين ، فاجأ الرئيس الأمريكي العالم بخطوةٍ غريبةٍ ،مثّلت خرقاً واضحاً لهدنة إيقاف إطلاق النار ، مفادها الأعلان عن حصار المضيق بحرياً !!

ومن المعلوم أنه كان يتّهم إيران بإغلاق المضيق ، ومع أن الأخيرة قد أوضحت كثيراً أنها لم تُغلقه إلاّ بوجهِ المعتدين وحلفائهم ، فإن الإغلاق -الجزئي- للمضيق لا يُعالَج بالحصار البحري ؛ لأنه سيفشل ؛ وذلك لأسبابٍ أربعة :

أولاً : لأن الحصار البحري للمضيق يعني ببساطة توسيع دائرة الإغلاق لا تضييقها. إذ إن إيران لا يمكن أن تبقى متفرجةً، ولن تسمح بهذا الإجراء ، ما ينعكس سلباً من حيث التصعيد، ولا سيما في حالة الاشتباك العسكري البحري. ويؤيّد ذلك ما قامت به الصين اليوم الثلاثاء، حيث عَبَرت المضيق سفينةٌ صينيةٌ خاضعةٌ للعقوبات الأميركية. يأتي هذا الإجراء في أعقاب النقد الشديد الذي وجّهته الصين لأمريكا بشأن الحصار البحري، إذ عدّته عملاً غير مقبولٍ وغير مسبوق !! ناهيك عن وجود بعض المصادر التي تُفيد بعبور ثلاث سُفنٍ خاضعة للعقوبات الأمريكية إحداها تعود لشركةٍ أجنبية تحمل زيت الوقود العراقي.

ثانياً : إن الحدود الإيرانية هي مترامية الأطراف ،بريةً وبحريةً. وليس مضيق هرمز هو المخرج الوحيد لإيران حتى يتم محاصرتها منه، بل لديها مخارج بحرية أخرى ، ومنها بحر قزوين.وهو الأمر الذي أكّدته الداخلية الإيرانية ، إذ قالت بأن الحصار سيفشل لأن حدود إيران أكثر من ثمانية آلاف كيلو متر.

ثالثاً : لم تؤيّد دول العالم خطوة الرئيس الأمريكي في الحصار البحري ، سواءً على مستوى دول أوربا والناتو أو روسيا والصين وغيرها. بل على العكس وجّهت بعض الدول انتقاداتٍ لهذه الخطوة لكونها ستُسهم في توتر الأزمة وتفاقمها بشكلٍ أوسع !! من هنا لن يُفضي هذا الحصار إلاّ إلى زيادةٍ في عزلة الرئيس الأمريكي !!

رابعاً : إن هذا الحصار سيتسبّب -بحسب كل الخبراء- في ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف التأمين ، وقد ارتفعت فعلاً منذ اللحظة الأولى التي أُعلن فيها.وإن ارتفاع أسعار الطاقة لا يُعالج بخطوةٍ تصعيدية تفضي إلى زيادة الارتفاع ، ولا سيما إذا تفاقمت الأمور عند حصول الاشتباك العسكري البحري المتوقع !!
هذا فضلاً عمّا ذكره بعض الخبراء من أن الحصار سيُسهم في ارتفاع أسعار الأسمدة بشكلٍ مهول ، ما يؤثر في الزراعة، ومن ثم في احتمالية حصول مجاعةٍ في بعض البلدان !!
وهو الأمر الذي حذّر منه اليوم برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، إذ ذهب إلى القول : (إن استمرار أزمة هرمز قد يؤدي إلى كارثةٍ في مجال الزراعة والغذاء) !!

أما من جهة إيران ، فهي لن تتكلّف كلفةً عاليةً لفكِّ هذا الحصار ولا مجهوداً كبيراً ، بل يكفيها الإقدام على ضرب سفينةٍ تجاريةٍ واحدة لتنسف الحصار برمته. ذلك أن دول العالم ليست مضطرةً للمغامرة وإرسال سفنها إلى بيئةٍ هي محل اشتباكٍ عسكري. مع أني لا أُرجّح أن تقدم إيران على ذلك في الوقت الحاضر ؛ تربُّصاً لنتيجة المفاوضات، بل ستبقى تمارس سياسة الاستنزاف ضد الولايات المتحدة. وبالمحصِّلة سيتحوّل الحصار من كونه حصاراً للمضيق إلى حصارٍ لترامب وإدارته. وبدلاً من أن يكون ورقة ضغطٍ بيد أمريكا في المفاوضات سيتحول إلى عنصر قوةٍ لإيران فيها !!

٢- حصار قانون صلاحيات الحرب :
بمقتضى هذا القانون الفيدرالي لسنة ١٩٧٣ يجب على الرئيس الأمريكي الرجوع إلى الكونغرس لاستحصال موافقته عند مضي ستين يوماً من بدء العمليات العسكرية فيما لو كان قد أقدم عليها دون أخذ موافقته ابتداءً .وبالنظر لأن هذه الحرب -أو العملية العسكرية- قد شُنّت في الثامن والعشرين من شهر شباط المنصرم، فهذا يعني أن المدة المتبقية أمام ترامب للرجوع إلى الكونغرس هي (١٥ يوماً).
وعلى الرغم من أن الحزب الجمهوري له أغلبيةٌ -بسيطة للغاية- تسمح له بتمرير الموافقة ، إلا أن الظاهر أن ترامب يسعى لتسوية الحرب خلال المدة المتبقية (١٥ يوماً). وهذا ما قد يكون الدافع لتصريحهِ أمس الاثنين بأنه :
(يريد من إيران أن تتوصل لاتفاقٍ خلال أسبوعين).وسواءٌ فُسِّر سريان هذه المدة من تأريخ الإعلان عنها قبل الشروع بمفاوضات إسلام آباد -بحسب بعض المراقبين- أو منذ التصريح بها أمس الاثنين، فالنتيجة واحدة، ومفادها أن ترامب يأخذ بعين الاعتبار المدة المتبقية للرجوع إلى الكونغرس (١٥ يوماً) ويريد الحسم عبر المفاوضات قبل انقضائها.

وبناءً على ما سبق يبدو أن الرئيس الأمريكي لا يملك استراتيجيةً ناجعةً للخروج من مأزق الحرب عبر العمل العسكري ؛ لذا فهو متوجّهٌ نحو الرجوع إلى طاولة المفاوضات كوسيلةٍ للخروج من المأزق وحسم الأمور رغم التصعيد الحالي في المضيق ، فهذا التصعيد لا يعدو عن كونه ورقة ضغطٍ على إيران لدفعها للتفاوض وتقديم تنازلاتٍ فيها !!
ويعضد ذلك ما سرّبته بعض وكالات الأنباء الشهيرة (مثل رويترز وأسوشيتد برس) من أن الوسطاء ما زالت جهودهم مستمرةً لدفع الفريقين إلى العودة إلى جولةٍ جديدةٍ من المفاوضات ، سواءً في إسلام آباد أو جنيف. ويعضده أيضاً تصريحات نائب الرئيس الأمريكي (جي دي فانس) الذي صرّح أمس الاثنين قائلاً : (لقد حققنا أهدافنا ويمكننا بدء إنهاء الصراع مع إيران تدريجياً، والمفاوضات لم تسرِ بشكل سيء-يقصد مفاوضات إسلام آباد-). وقوله أيضاً (اعتقد أن هناك إمكانية لابرام صفقة كبرى،لكن الأمر يعود إلى الإيرانيين لاتخاذ الخطوة التالية… نفضّل إنهاء العملية عبر اتفاقٍ كبير وناجح، والرئيس ترامب لا ينوي إطالة هذه العملية ..).

وصفوة القول إن الرئيس الأمريكي قد وضع نفسه ، لا إيران ، بين حصارين. ولا مخرج له منهما إلاّ بسلوك التفاوض سبيلاً !!

قد يهمك أيضاً

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان