المقالات

الخروج دستورياً من مأزق اجتماع مجلس النواب الجديد مع بقاء ولاية المجلس الحالي

واخ – بغداد

أ. د.حسن الياسري

 لا ريب في أنَّ الدستور كان واضحاً وصريحاً وقاطعاً في تحديد مدة ولاية مجلس النواب، فهاهي المادة (56) في بندها الأول تنص، بما لا يحتمل تأويلاً أو اجتهاداً، على الآتي: (تكون مدةالدورة الانتخابية لمجلس النواب أربع سنواتٍ تقويميةٍ، تبدأ بأول جلسةٍ له وتنتهي بنهاية السنةالرابعة).

 ولقد أكدت المحكمة الاتحادية العليا مضمون هذه المادة في قرارين تفسيريَّين سابقين،أماالأول فهو القرار رقم (29) لسنة 2009 وأما الآخر فهو القرار رقم (24) لسنة 2010.إذْ حكمتبمقتضاهما أنَّ الدورة البرلمانية تنتهي بانتهاء السنوات التقويمية الأربع،وأنَّ السنة التقويميةتعني (365) يوماً، وأنَّ الانتخابات يجب أن تُجرى كما ينصُّ الدستور قبل (45) يوماً من تأريخانتهاء الدورة البرلمانية.

 وليس بخافٍ أنْ لا وجود لدستورٍ في العالموأحملُ مسؤولية هذا الكلاميقضي بانتهاء الأجلالدستوريالطبيعيأو الولاية الدستورية للبرلمان في يوم الاقتراع بمجرد إجراء الانتخاباتالدوريةغير المبكرة-. ولنكوننَّ من الشاكرين لمن يرشدنا إلى دستورٍ في العالم يقضي بهذا ؛والسبب في عدم وجود ذلك وعدم تبنِّيه يكمنبإيجازٍ ودون تفصيلٍبالآتي :  

1-إنَّ من المسَّلم به في الدساتير الدولية أنَّ أجَلَعُمرمجلس النواب الدستوري ينتهي فيحالتين : أما أولاهما فهي النهاية الطبيعية، وتعني انتهاء مدة الدورة البرلمانية التقويمية، وأماأخراهما فهي النهاية غير الطبيعية، وتتمثل بحلِّ المجلس،إذ ينقضي أجَلهُ قبل ميعاده وتتمُّالدعوة إلى انتخاباتٍ مبكرةٍ.وهذه هي النظرية العامة في الدساتير الدولية، مثل دساتيرالولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا وبلجيكا والبرتغال وأستراليا والنمسا وكنداونيوزيلندا واليونان واليابان والهند..والدساتير العربية..الخ.حتى معاهدة الاتحاد الأوربي بصددإنشاء البرلمان الأوربي،إذ تقضي باستمرار البرلمان إلى حين افتتاح الدورة الجديدة ولا تنتهيولايته بمجرد إجراء الانتخابات،وهو ما تأخذ به بعض الدساتير أيضاً.  

 وبغير هاتين الحالتينانتهاء مدة الدورة البرلمانية والحللا يسمح الدستور بإنهاء أو انقضاءأجل المجلس حتى لو استقالت الحكومة أو أُقيلت، بل إنَّ دستورنا لا يسمح بذلك حتى لو أُقيلتالحكومة وأقيل معها رئيس الجمهورية، فالبرلمان ليس حكومةً أو سلطةً تنفيذيةً ليتحوَّل إلىتصريف أعمالٍ.

2-إنَّ الشعب بوصفهِ مصدر السلطات قد منحَ الثقة إلى مجلس النواب، وقد منحها إياه كاملةًللسنوات الأربع لا تنقص يوماً واحداً، تماماً كما أنَّ المجلس الجديد الذي يُنتخب في مدة ولايةالمجلس القائم قد مَنحهُ الشعب الثقة لأربع سنواتٍ كاملةً غير منقوصةٍ من ناحيتهِ، ومن ناحيةالمجلس القائم فهي لا تسلب يوماً واحداً من مدة الثقة الممنوحة له، ولا يمكن أن تتداخلهذه الثقة ولا المدد.

3-قد يعلم الجميع أنَّ الدستور نصَّ في المادة(50) على أن النائب لا يباشر عمله النيابي إلا بعدأداء اليمين الدستورية ،وهكذا رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وسائر الرؤساء والوزراء،إذ لايكتسبون صفتهم الوظيفية إلا بعد أداء اليمين.ولقد أكدَّت المحكمة الاتحادية العليا فيقراراتها السابقة هذا المضمون، قاضيةً بأنَّ النائب لا يكتسب هذه الصفةالنيابيةإلا بعد أداءهذه اليمين.وذلك أمرٌ تتسالم عليه الدساتير قاطبةً، وتتفقُومعها الفقه الدستوريعلى أنَّالولاية الدستورية للبرلمان لا تنشأ في يوم الاقتراع البتة، بل من تأريخ أداء اليمين الدستورية،إذلا ارتباطمباشراً أو غير مباشرٍبين الاقتراع وانتهاء ولاية البرلمان.

 وبناءً على ذلك لا يمكن أن تُكتسب الصفة النيابية بمجرد إجراء الانتخابات، ولا سيما وأنكملتعلمون أنَّ نتائج الانتخابات لن تكون نهائيةً إلا بعد سلسة إجراءاتٍ طويلةٍ من الشكاوىوالطعون التي قد تُسفر عن خروج بعض الفائزين وحلول آخرين محلَّهم من غير الفائزين،كماحصل في الانتخابات الأخيرة.وهو ما يدلُّ دلالةً قاطعةً على استحالة أن يكون يوم الاقتراع بدايةًلكسب شرعية المجلس الجديد وإسباغ الصفة النيابية على أعضائه.

4-إنَّ الانتخابات عمليةٌ لتجديد الشرعية، وليس لإنهاء الشرعية القائمة،عملاً بمبدأ (التداولالسلمي للسلطة). فالشرعية البرلمانية القائمة تظل مستمرةً لا يُنقص منها يومٌ واحد، إلا فيالحلِّكما ذكرنا آنفاً،وهو ما يُعرف بمبدأ (الشرعية المزدوجة).إذ لا تنتهي شرعية البرلمانالقائم إلا وتبدأ شرعية البرلمان الجديد، بيد أنْ لا تداخلَ بين الشرعيتين في آنٍ واحد.

5-وفي سياقٍ ذي صلةٍ، يمكن القول إنَّ الانتخابات تُسبغ الشرعية على البرلمان الجديد، بيد أنهالا تخلعُ ثوب شرعية المجلس القائم ولا تَسلبها البتة، وتبقى ثمة مدةٌ انتقاليةٌ بين انتهاء أمدالمجلس القائم والتئام شمل المجلس الجديد في الجلسة الأولى.

6-إنَّ من المبادئ الدستورية المستقرة أنْ (لا فراغ دستورياً)، وأنَّ البرلمان (هيئةٌ مستمرةٌ لاتنقطع).ومن ثمَّ لا ينبغي، بل لا يصح، أنْ تخلو الدولة من السلطة التشريعية.

7-وغنيٌّ عن البيان أنَّ الغرض الأساس من إجراء الانتخابات قبل مدةٍ من انتهاء ولاية البرلمانتكمن في كونها إجراءً تحضيرياً لعدم الوقوع في الفراغ الدستوري،ولا سيما إذا علمنا أنَّالانتخابات لن تكون نهائيةً،كما ذكرنا آنفاً، إلاَّ بعد الانتهاء من الشكاوى والطعون ومن ثمالمصادقة النهائية،وكل ذلك يستلزم مدةً ليست بالقصيرة.من هنا تستلزم الدساتير إجراء هذهالانتخابات قبل مدةٍ معقولةٍ من انتهاء ولاية البرلمان (فالدستور العراقي يستلزم إجراءها قبل45 يوماً والأميركي قبل شهرين تقريباً والمصري قبل 60 يوماً والتونسي قبل أربعةأشهر..وهكذا).وعليه لا يمكن أن يكون هذا الإجراء التحضيري سبباً تلقائياً في انقضاء الولايةالبرلمانية القائمة.

قرار المحكمة الاتحادية العليا الأخير :  

  من المعروف أنَّ المحكمة الاتحادية العليا قد ذهبت مذهباً آخر في 17/11/2025 حينما قضتفي قرارها التفسيري (213) أنَّ ولاية مجلس النواب تنتهي في يوم الاقتراع ،أي في يوم11/11/2025،بدلاً من 8/1/2026 الذي يمثل العمر التقويمي الدستوري للمجلس.وهو ما يعنيبالمحصِّلة سَلْب المجلس خمسةً وأربعين يوماً من ولايته الدستورية، وأنَّ المجلس الجديدسيلتئم ويؤدي أعضاؤه اليمين الدستورية في 29/12/2025 –بحسب دعوة الرئيسفي الوقتالذي لما يزل المجلس الحالي قائماً بحسب نصوص الدستور الصريحة والمعزَّزة بقراراتالمحكمة الاتحادية العليا السابقة.وبالنظر لكون قرار المحكمة هذاالذي أنهى ولاية المجلسيعد باتاً وملزماً لا بدَّ من تنفيذه من جهةٍ، ولكي لا نقع في مخالفة نصوص الدستور الصريحة فيهذا الباب من جهةٍ أخرى ؛ لذا يُقترح حلَّان للخروج من هذا المأزق، أحدهما آنيٌّ والآخرمستقبليٌّ :

1-الحلُّ الآني :

أنْ تقوم رئاسة الجمهورية بإلغاء دعوة الانعقاد في 29/12/2025 وتوجيه دعوةٍ جديدةٍ لانعقادالمجلس الجديد في 9/1/2026 استناداً إلى نص المادة (54) من الدستور التي تلزم الرئيسبتوجيه الدعوة لانعقاد المجلس خلال خمسة عشر يوماً من تأريخ المصادقة النهائية على نتائجالانتخابات والتي تُتيح أيضاً مكنة تمديد هذه المدة لخمسة عشر يوماً أخرى على وفق ما أثبتناهمن تفسيرٍفي دراسةٍ سابقةمعززٍ بالأدلة الدستورية، والذي  سينقذنا من معضلة التعارضالمذكورة آنفاً

2-الحلُّ المستقبلي:

  بالنظر لعدم وجود سندٍ دستوريٍ لقرار المحكمة هذامع كل التقدير للمحكمة وجهودهاالكبيرة إلاَّ أننا بصدد النقاش العلميعلى وفق ما تمَّ بيانه سلفاً، وبالنظر لأهمية المبدأ الذيجاءت به المحكمة في هذا القرار ومصلحتهِ للعراق وشعبه مستقبلاًمما لا محلَّ لذكره الآن؛فيُقترح تبنّي هذا المبدأالذي جاءت به المحكمةفي مشروع تعديل الدستور عبر تغيير موعدإجراء الانتخابات العامة المنصوص عليه في البند (ثانياً) من المادة (56)،ليكون إجراؤها فياليوم الثاني من تأريخ انتهاء الدورة البرلمانية التقويمية بدلاً من إجرائها قبل (45) يوماً من ذلكالتأريخ ؛ وآنذاك لا تعارض دستورياً بين الأجل التقويمي الدستوري للبرلمان وقرار المحكمةوإجراء الانتخابات. ولعلَّ مقترحاً آخر ليس ببعيدٍ عن إمكانية التطبيق، يتمثَّل بتوجيه السؤال إلىالمحكمة مرةً أخرى مع تغيير بعض المعطيات،ومن ثمَّ قيام المحكمة بتبنِّي قراريها السابقينفي 2009 و2010، ثمَّ يتمُّ تعديل النص الدستوري كي يكون إجراء الانتخابات قبل مدةٍ وجيزةٍمن نهاية الدورة البرلمانيةاسبوعٍ مثلاً، فهذا أفضل من إجرائها قبل (45) يوماً ؛ وبهذه المثابةنُحقِّق المصلحة التي كانت ترمي إليها المحكمة من عدم إطالة المدة بين الانتخابات ونهايةالدورة البرلمانية من جهةٍ،ومن جهةٍ أخرى لا نقع في خرق الدستور ومخالفته الصريحة.  

قد يهمك أيضاً

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان