بقلم: الباحث القانوني
شهدت الساحة القانونية مؤخراً طروحات تحاول النيل من الطبيعة الدستورية للأوامروالقرارات الوقتية الولائية الصادرة عن المحكمة الاتحادية العليا، مستندةً في ذلك إلىقياسٍ فاسد يخلط بين القضاء الدستوري العالي والقضاء المدني العادي، وتنطلق هذهالطروحات من فرضية أن الأمر الولائي بطبيعته المؤقتة يقبل التظلم والعدول وفقاًلقانون المرافعات المدنية وبالتالي لا يمكن إضفاء صفة البتات عليه، بيد أن هذاالتحليل يغفل عمداً أو سهواً التكييف القانوني الصحيح لسمو النص الدستوريوخصوصية القضاء العيني وهو ما نتولى تفنيده بالأسانيد الدستورية والقانونيةالصارمة.
إن القول بأن البتات والإلزام الوارد في المادة 94 من الدستور ينصرف فقط إلىالقرارات الموضوعية النهائية دون الأوامر الوقتية هو تخصيص بلا مخصص وتقييدلمطلق النص الدستوري بنصوص قانونية أدنى مرتبة تمثل خرقاً صريحاً لمبدأ سموالدستور، إذ تنص القاعدة الفقهية والأصولية المستقرة على أن المطلق يجري علىإطلاقه ما لم يقم دليل التقييد، وقد جاء نص المادة 94 بصيغة التعميم والشمولالمطلق مؤكداً أن قرارات المحكمة الاتحادية العليا باتة وملزمة للسلطات كافة، حيثجاء لفظ قرارات جمعاً معرفاً بأل الاستغراقية ولم يفرق المشرع الدستوري بين قرارموضوعي أو إجرائي أو ولائي، وبما أن الأمر الولائي يصدر بشكل رسمي موقعاً من هيئةالمحكمة فإنه يأخذ وصف القرار حكماً وقانوناً ويشمله البتات الدستوري فور صدوره،ولا يجوز إعمال قواعد قانون المرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 كتشريع عاديسابق لتعطيل أو تقييد منطوق الدستور لعام 2005 الذي يمثل التشريع الأسمىوالأعلى في الدولة.
تكمن السقطة المنهجية الثانية في قياس القضاء الدستوري على القضاء المدني،فالأوامر الولائية في قانون المرافعات المدنية شُرعت لحماية مراكز قانونية ذات طابعشخصي ومادي بين خصوم عاديين من الأفراد أو الشركات، بينما القضاء الدستوري هوقضاء عيني يستهدف حماية الدستور والنظام العام واستقرار مؤسسات الدولة العليا،وعندما تصدر المحكمة الاتحادية أمراً ولائياً بإيقاف عمل جلسة برلمانية أو إيقاف تنفيذمادة في قانون الموازنة فإنها لا تحمي حقاً شخصياً لمدّعٍ بل تحمي الشرعية الدستوريةمن خطر الانتهاك الجسيم الحتمي الوقوع، وإن ترك مثل هذه الأوامر المصيرية عرضةلآليات التظلم والطعن والتمييز الواردة في قانون المرافعات سيعني حتماً إدخالمؤسسات الدولة في حالة من الفوضى السياسية والقانونية ونزع الهيبة السيادية عنالمحكمة العليا بجعل قراراتها خاضعة للمراجعة والشد والجذب الإجرائي وإفراغالحماية الدستورية الوقتية من محتواها الاستعجالي.
أما بشأن ما يزعمه الناقدون من أن المحكمة الاتحادية تجتزئ الأحكام القانونية عندماتطبق المادتين 151 و152 من قانون المرافعات لإصدار الأمر الولائي وتعطل المادة153 التي تبيح التظلم فهذا الدفع مردود عليه من وجهين، أولهما أن إحالة المادة 39 من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية رقم 1 لسنة 2022 إلى قانون المرافعات هيإحالة تنحصر في شروط الإجراء الصالح للإصدار كالاستعجال وعدم المساس بأصلالحق والخشية من فوات الوقت ولا تمتد إلى آليات الطعن لأن آليات الطعن والتظلمتصطدم بالجدار الدستوري الصامت للمادة 94 التي تمنع الطعن في أي قرار صادر عنهذه المحكمة، وثانيهما أن طبيعة الأمر الولائي الدستوري أنه يدور مع علته وجوداًوعدماً فالمحكمة الاتحادية باعتبارها مهيمنة على الدعوى الأصلية تملك سلطة إلغاءالأمر أو تعديله تلقائياً إذا زالت حالة الضرورة أو عند حسم الدعوى في الموضوع، وهذاالعدول الذاتي يختلف تماماً عن فتح باب الطعن بالتظلم والتمييز للخصوم والذييعني إشراك جهات أخرى أو إجبار المحكمة على الدخول في مرافعة فرعية مكررةتعطل سير العدالة الدستورية.
وفي الختام فإن الدفع بأن القضاء الولائي لا يدخل في اختصاص المحكمة الاتحاديةالعليا وأن دستور العراق لم يخولها ذلك هو دفع يهدم فكرة القضاء الدستوري الفعال،فالمحكمة الاتحادية تملك الاختصاص التبعي والضمني ومن يملك الفصل في أصلالحق الدستوري بموجب المادة 93 من الدستور يملك بالضرورة وبطريق الأولى اتخاذالإجراءات الوقتية والتحفظية لحماية هذا الحق لحين الفصل فيه، ولو سايرنا منطقمنكري هذه الولاية بترك القضاء الولائي الدستوري للقضاء العادي لوقعنا في محظوردستوري أكبر إذ كيف لمحكمة بداءة عادية أن تصدر أمراً ولائياً يوقف قراراً لرئيسالوزراء أو رئيساً لمجلس النواب وهي لا تملك أصلاً سلطة الفصل في دستوريةأعمالهم، مما يؤكد أن محاولة نزع صفة البتات والإلزام عن الأوامر الولائية للمحكمةالاتحادية العليا تحت غطاء المنطق الإجرائي لقانون المرافعات هي محاولة تقرأ النصالقانوني الأدنى وتتغافل عن النص الدستوري الأسمى، لتظل قرارات المحكمةالاتحادية العليا بجميع أشكالها الموضوعية والوقتية محاطة بسياج من الحجيةالمطلقة المستمدة من المادة 94 من الدستور وهي حجية لا تقبل التجزئة لتبقىالمحكمة صمام الأمان الوحيد والبات لاستقرار البلاد قانونياً وسياسياً.








