المقالات

نحو دسترةِ الذكاء الاصطناعي

الجزء الأول
أ.د.حسن الياسري

لقد أضحى الذكاء الاصطناعي أحد أكثر مظاهر التحول الرقمي تأثيرًا في بنية الدولة الحديثة ووظائفها؛ لما له من قدرةٍ على التأثير المباشر في الحقوق والحريات الأساسية والاقتصاد والأمن القومي والإدارة العامة. ولم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تطورٍ تقنيٍ محايد، بل تحول إلى أداةٍ فاعلةٍ في صنع القرار وتوجيه السياسات العامة والتأثير في حياة الأفراد اليومية.وإزاء هذا التحول تبرز إشكاليةٌ جوهريةٌ تتمثل في مدى كفاية التنظيم الدستوري التقليدي لمواجهة المخاطر الدستورية الناشئة عن استخدامات الذكاء الاصطناعي وما إذا كان الأمر يستوجب تدخلًا دستوريًا مباشراً فيما يمكن أن نطلق عليه بـ (دسترة الذكاء الاصطناعي).وبالنظر لعدم وجود مساحةٍ دستوريةٍ أو دراساتٍ دستوريةٍ تُكيِّف الوضع الدستوري للأنظمة الذكية ؛ فأجدُ من الأهمية بمكانٍ إيلاء هذا الأمر أهميةً، بل أولويةً ، عبر التطرُّق بإيجازٍ إلى المطالب الآتية :
مفهوم الذكاء الاصطناعي وطبيعته القانونية، خطورة الذكاء الاصطناعي، غياب النص الدستوري الصريح المنظِّم له، مسوِّغات دسترة الذكاء الاصطناعي،التحديات والعقبات التي تواجه التنظيم الدستوري لأنظمة الذكاء الاصطناعي، الأسس الدستورية لتنظيم الذكاء الاصطناعي، المقترحات الدستورية لتنظيم الذكاء الاصطناعي.
إنَّ البحث في هذه المطالب سيسهم بالمحصِّلة في تكييف الوضع الدستوري لهذه الأنظمة وفي دسترتها.وسأتطرق بإيجازٍ شديدٍ إلى المطالب الخمسة الأُول وأذر السادس والسابع إلى الجزء الثاني إن شاء الله.
مفهوم الذكاء الاصطناعي وطبيعته القانونية :
يُراد بالذكاء الاصطناعي مجموعة الأنظمة والتطبيقات القادرة على محاكاة السلوك الذكي للإنسان والتعلم من البيانات واتخاذ قراراتٍ أو تقديم توصياتٍ قد تكون ملزمةً أو مؤثرةً في المركز القانوني للأفراد.
ومن الناحية القانونية يتميز الذكاء الاصطناعيبالسمات الآتية :
1.غياب الشخصية القانونية المستقلة.
2.الاستقلالية النسبية في الأداء.
3.صعوبة تفسير منطق القرارات التي يتخذها.
وهي سماتٌ تضعه في موضع إشكالٍ فيما يتعلق بالنظرية القانونية التقليدية.
خطورة الذكاء الاصطناعي :
لعلَّ خطورة الذكاء الاصطناعي تكمن في الأبعاد الآتية:
1- إنه يتخذ قراراتٍ ذات أثرٍ قانونيٍ مباشر.
2- إنه يعمل أحيانًا باستقلاليةٍ نسبيةٍ عن الإرادة البشرية.وليس ثمة ضمانةٌ في عدم خروجه عن السيطرة البشرية.
3- إنه يقوم على تحليلٍ ضخمٍ للبيانات الشخصية.
إنَّ هذا الواقع يستدعي إعادة نظرٍ في الأدوات الدستورية التقليدية، ويطرح سؤالاً محورياً :
هل تكفي النصوص الدستورية التقليدية لحماية الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي، أو أنَّ الأمر يستوجب إعادة صياغة بعض المبادئ الدستورية أو استحداث ضماناتٍ دستوريةٍ جديدة ؟
غياب النص الدستوري الصريح المُنظِّم للذكاء الاصطناعي :
تكاد تُجمع الدراسات الدستورية المقارنة على أنَّ أغلب الدساتير، إن لم يكن كلها، لا تتضمن نصوصًا صريحةً تُنظِّم الذكاء الاصطناعي، بيد أنَّ ذلك لا يعني وجود فراغٍ دستوري، إذ تخضع هذه التقنية لجملةٍ من المبادئ الدستورية العامة التي يمكن الركون إليها في هذا الباب، لعل من أبرزها المبادئ الأربعة الآتية :
• مبدأ سيادة القانون.مبدأ المشروعية.مبدأ الكرامة الإنسانية.مبدأ حماية الحقوق والحريات الأساسية.وبذلك يمكن القول بخضوع الذكاء الاصطناعي لرقابةٍ دستوريةٍ، لكنها رقابةٌ غير مباشرة.
مسوِّغات دسترة الذكاء الاصطناعي :
تنبع ضرورة تنظيم الذكاء الاصطناعي دستورياً من المسوغاتالآتية :
1.خطورة الذكاء الاصطناعي على الحقوق الأساسية.
2.استعماله المتزايد من قبل السلطات العامة.
3.قصور التشريع العادي عن مواكبة التطور السريع والمهول الذي تشهده أنظمة الذكاء الاصطناعي.
4.الحاجة إلى ضماناتٍ عليا لا يجوز الانتقاص منها.
التحديات والعقبات :
ثمة تحدياتٌ وعقباتٌ تقف بوجهِ التنظيم الدستوري لأنظمة الذكاء الاصطناعي، يمكن إجمالها بالآتي :
1. الفجوة بين السرعة التقنية الهائلة من جهةٍ وبطء التطور الدستوري من جهةٍ أخرى.
2. طبيعة التقنية العابرة للحدود في مواجهة السيادة الوطنية.
3. صعوبة الرقابة على أنظمةٍ ذكيةٍ معقدةٍ وغير قابلةٍ للتفسير أحياناً.
وللحديث تتمَّة إنْ شاء الله للبحث في الأسس الدستورية لتنظيم الذكاء الاصطناعي والمقترحات الدستورية التي يمكن أن نقدِّمها بغية تنظيمه.

قد يهمك أيضاً

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان