المقالات

الحداثة الرثة

 

جمعة عبد الله مطلك


إنخراط الدول والمجتمعات في الحداثة، ليس خيارا يمكن تجنبه، أو العدول عنه الى خيارات اخرى. فنظم الدولة الحديثة ومؤسساتها وديناميات عملها فرع من فروع الحداثة.

فالحداثة السياسية تنبثق عن نظام الحداثة العام الذي احدث نقلة في تاريخ الانسان تحددت معالمها بشكل اخص في النصف الثاني من القرن الماضي . ففي هذه السنوات تعممت نظم الحداثة “واجتاحت” جميع الثقافات والشعوب والبلدان بطريقة واسعة.

وقد وصف أحد الكتاب العرب غزو الحداثة واجتياحها بهذه السنوات بأنه قد وصل الى الروح، اي الى خيارات الانسان العميقة. والأمر ليس لغزا في مسألة غزو الحداثة واجتياحها، فالتعليم الحديث والبنوك وقوانين صرف العملات وتنظيم العمل كلها أمور تخضع لنظم غير مسبوقة جاءت بها الحداثة.

ويبقى السؤال بعد ذلك مرتهنا بقدرة الثقافات المحلية على ابداع حداثتها الخاصة، استنادا الى هذه الطفرة الهائلة في قوانين التنظيم والانتاج العالميين، وما يترتب عليها من علائق سياسية وعسكرية وثقافية قاهرة.

وليس مثل الاسلام عقيدة يمكنه التكيف وابداع حداثته الخاصة، فليس في الاسلام كهنوت ولا رهبانية، وكان عالم الاجتماع الألماني الأشهر ماكس فيبر قد ابدى استغرابه من عدم حدوث تطور تقني ضروري في الحداثة الاسلامية بعد العصور العباسية. وكان ماكس فيبر قد نسب سطوع الحداثة وقوتها بدرجة رئيسة للمذهب البروتستانتي. وقد طرح في كتابه الاشكالي “الاخلاق البروتستانتية والرأسمالية” فكرة مفادها ان القدرة على التنظيم وإقامة العلائق الانتاجية الحديثة المنظمة ترتبط بالعقيدة التي يؤمن بها شعب من الشعوب. في معرض حديثه عن الاسلام، أوضح نقاط القوة في الدين الاسلامي وقدراته الداخلية والديناميات التي يحويها في اطار واسع من المرونة، متعجبا من تضييع المسلمين فرص بناء حداثتهم الخاصة.

ان ما اشتغلت عليه النخب الايديولوجية العراقية “والعربية” مطلع القرن الماضي، يمكن ان نطلق عليه “الحداثة الرثة”. فقد تبنت هذه الايديولوجيات الهياكل البالية للحداثة الغربية خاصة في اشكال الدولة والتنظيم السياسي والمؤسسات. وكل هذه التنظيمات لا يمكن إلا ان تمر بدرجة ما عبر موشور الثقافة السياسية الايجابية وتنميط الانسان العام على قبول فكرة التعدد المرتبطة اصلا بالتسامح. وحتى التجارب الاختزالية خارج المركزية الغربية، فقد عملت بهذا الاتجاه مع اعتمادها ايضا على فكرة الدولة كمنظم لعملية الاصلاح السياسي. لقد اورثت الحداثة العراقية الرثة انظمة وشخوصا ليسو بقادرين على الترابط التضامني بينهم وضعفت الثقة وبدت الحياة العراقية وكأن لا رابطا وثيقا وعضويا واخلاقيا ضروريا يشد اواصرها، ويمدها بطاقة تنعش الروح وتزيدها ثقة كي تحمل مشروعها الحياتي المنظم والمنتج.

ومن طبيعة هذه الحداثة “الناقصة” قدرتها على توليد الاوهام وتحويل الواقع من جزئيات ونسبيات وقائعية الى ممكنات ذهنية محضة. وقد اتضح ذلك بطريقة مفجعة في المجال السياسي بعد سقوط النظام المباد. فالروابط بين السياسيين العراقيين لم تعبر عن نفسها باتجاه تخليق وترميم المشروع الوطني العراقي. وبدت شحنة الشخصنة والبغضاء مرضية زائدة عن حدها ولا تنتمي الى قوانين الصراع السياسي المنتج.

ومن دروب الحداثة السياسية الرثة، ان تتعامل النخبة السياسية العراقية بكل الشكل والهيكل الديمقراطي الحديث، فيما تغوص عميقا في منطق القبيلة العربية المرتكز اساسا الى منطق الغنيمة.

قد يهمك أيضاً

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان