النقطة الحرجة
كيف تصل المجتمعات والشعوب الى تطور لا يمكن العودة عنه ؟ أي ان وجهة التطور تترسخ في بنية القوى الاجتماعية بوعي صارم . والتطور الاكثر اهمية ان تتجذر في النسيج النفسي للانسان العام . فعلى سبيل المثال لم يحل وجود شخصية او نزعة مثل النزعة النازية في المانيا دون انخراطها في مشروعها الوطني وكذلك بقية اوروبا الغربية . فقد كانت الحرب العالمية الثانية قد زلزلت الاسس الفكرية التي قامت عليها الحداثة المتمحورة حول سلطان العقل . خرج بعد هذه الحرب الادب الوجودي والنزعة التي اعادت قراءة نيتشه بطريقة ” لاهوتية ” . لكن المدن الغربية نهضت من ركام الاحجار عندما تحولت لندن وبرلين الى خرائب تشبه الاحياء التي تحيط ببغداد حاليا .
اعاد الغرب بناء نفسه ودخلت الولايات المتحدة في عملية البناء بالمشروع الشهير ” مارشال ” . استفادت القوى الاجتماعية والاحزاب من تجربة الحرب وبروز شخصية هتلر بطريق الانتخابات . اخذت القوى الغربية المختلفة على نفسها الا تتكرر التجربة فتم تحوير القوانين والانظمة والمناهج الدراسية بهذا الاتجاه .
في الشرق العربي والمسلم تبدو النقطة الفاصلة بين تاريخ القرون الوسطى ليست محسومة باتجاه الكيان القانوني الحديث المسمى ” دولة ” . اذ ما يزال الصراع حول مضمون هذه الدولة يشكل الارضية التي تتحرك عليها القوى الاجتماعية وليس كيانها القانوني كما ينبغي لنقطة الصفر الحرجة ان تتوارى .
تتفق الاغلبية ” تقريبا ” على السقف الاسلامي لهذه الدولة وتختلف على التفاصيل . وما بين السقف والتفاصيل يتم هدر عقود من الزمن تسفح خلالها ارواح وثروات وفرص بلا حدود .
تقدم الثورات الشعبية العربية هذه الايام صورة دقيقة ومعبرة عن هذا الخصام بين العقل العربي والدولة القانونية . ويبدو ان الطريق ما يزال طويلا الى هذه الدولة التي يرتبط انبثاقها بنضج في القوى الاجتماعية يمتزج عفويا بارادة اخلاقية واقتصاديات منتجة .
وفي العراق فالمسالة دائما مركبة وصعبة اكثر من محيطه العربي والاسلامي . ظلت الدولة القانونية المتماسكة في هذا المضمون حلما يراود خيال العراقيين لكنه يزلزل وجودهم كل حين بضعف التنظيمات الاجتماعية الساعية الى الامساك والتاسيس لهذه الدولة . اصبحت هذه الزلزلة جزءا من ” الدورة ” اللغوية في الاداب والفنون ولغة الوعظ الديني اضافة الى مشكلة الانسان العام . ما يزال هذا الانسان منشدا الى قبيلته وطائفته وربما شارع من شوارع مدينته اكثر من الدولة القانونية الحلم .








