المقالات

منطق الأزمة .. منطق الحل

 

جمعة عبد الله مطلك


 

تصنف الرياضيات علمياً بأنها أعلى مراحل اليقين العلمي الطبيعي . ورغم هذه الوثوقية والاطلاق فإن داخل هذا العلم المحايد منطق متعدد للحل . ففي المسألة الرياضية الواحدة وبخاصة تلك المسائل المعقدة او الاساسية ثمة طرق تسمى منطقا لحلها . وعندما يتم اعتماد منطق ما ازاء احدى هذه المسائل الكبرى فانه يسجل باسم صاحبه ويرمز له لغويا بـ ” ثابت ” فيقال ثابت فلان رمزاً لمنطق الحل الذي اوجده ازاء طرق اخرى تفوق عليها اما بسهولة الاستدلال او بقوته .

 

        في علم السياسة ” وهي علم ” فإن ثوابت اجترحها ملوك وقادة وساسة ازاء مأزق مرت بها دولهم وشعوبهم . وقد سجلت باسمهم تماما مثل ثوابت الرياضيات. فقبل صيام غاندي لاجل وحدة الهند قدم الامام الفريد الحسين بن علي قربانا للحق الانساني والاسلامي على ثرى كربلاء . واليوم تعبر جموع وملايين وعلماء عن هذا الثابت الحسيني بطريقة تجاوز الزمن واللغة والحدود . فثابت الحسين ان الكرامة هي اساس الانسانية وان الدين تعبير عن هذه الكرامة. فثابت الحسين هو ثابت القرآن الذي اضاع المسلمون معانيه حتى غدوا بعد ذلك عالة على متغيرات انفسهم وثوابت غيرهم .

 

      الى فترة قريبة نسبياً لم يكن احد يتوقع ان تصبح اليابان القوة الاقتصادية الاولى في العالم . كان الحديث عن ” ثوابت ” الروح العسكري الانعزالي الياباني قوية .  لكن اليابان تحولت الى أكبر منتصر مهزوم في الحرب العالمية الثانية. استطاعت النخبة اليابانية تحقيق الاختراق المطلوب في ” ثوابت ” اسرة الميجي التي تشبه عندنا مع بعض التعديل الاسر المملوكية او السلطانية. لكن الفارق ان اسرة الميجي يابانية بينما الأسر السلطانية والمملوكية العربية لا تمتلك صفة تشدها الى معنى وطني . فهذه السلطنات والممالك تنتمي الى ذاتها والى زمن تقاطع الحروب واستثمار الفرص . أي انها منزوعة المسؤولية ازاء المعنى الاخلاقي العميق بالواجب . ولهذا السبب قفزت اليابان الى صدارة المنتصرين انفسهم في الحرب العالمية الثانية . وينطبق نفس المثل على الالمان . لكن مثلا معاكسا يصعب الخوض في تفاصيله دون الانجرار وراء اغراء تجريح يتعلق بالمثال العراقي .

 

     لم تتبلور في العراق سلطة يمكنها تسجيل ” ثابت ” عراقي مستمر ومتراكم . كانت مواصفات ” الثابت ” العراقي تنطبق على شخوص وليس اتجاهات كما في شخص مؤسس المملكة وكذلك مؤسس الجمهورية العراقية ” فيصل وعبد الكريم قاسم ” . لكن هذا الثابت تبدد الى متغير قلق بحكم التكوين الانكشاري المملوكي للنخبة السياسية وضعف الثقافة العراقية على تنميط الانسان وتقوية المناعات الدفاعية في داخله ازاء فكرة الحق والواجب . وحتى يبزغ هذا الثابت في شخص او حزب او تيار يبقى العراق متغيرا لا يملك اهله توجيه مصالح ولا تقرير مستقبل .

 

 

 

 

قد يهمك أيضاً

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان