مشتاق طالب
من الواضح ان الدول التي تعرضت للاحتلال العسكري قديماً، قد استفادت بنحو أو بآخر من تلك الحقب المظلمة التي مرّت عليها، ولعل اليابان تبقى الأنموذج الأشهر في هذا الصدد، فنقرأ ان اليابانيين كانوا يستقتلون على إرسال وفود شبابية تتراوح بين 50-100 شاب في مقتبل العمر للاطلاع على النهج العصري في إدارة الحياة والحضور التكنولوجي اللافت في الولايات المتحدة آنذاك، وبعد خمسين سنة اتضح أن (الساموراي) يمارس الانتقام الشرقي البطيء بحق مرتكبي مجازر هيروشيما وناكازاكي بصورة لا إرادية، بحيث أن العملاق الياباني بات يحرج الامريكان في أكثر من مناسبة.
وعلى أقل التقادير فإنه يمكن ملاحظة استفادة دول إفريقيا من الثقافة الفرنسية والبرتغالية والاسبانية والايطالية بما يتلاءم مع ثوابت تلك البلدان، وهذا ينطبق أيضاً على الجانب التجاري والاقتصادي لتلك البلدان، حيث وُظّفت الروابط بين المُحتل وشعوب وحكومات الدول المُستَعمرة لحساب المصلحة الوطنية للدول التي عانت فترات الاحتلال ومصائبها.
المحيّر في الأمر أن العراق وعلى مدى سنوات الاحتلال القديمة والجديدة، ظل مركزاً للنهب والمصادرة الدولية من جهة، وضحية لصناعة الأكاذيب على المستوى المحلي من جهة أخرى، وفي قراءة سريعة لسنوات ما بعد 2003، نلاحظ بوضوح أن تلاقح الفكر الرأسمالي والآلية العسكرية الأمريكية من جهة، مع متبنيات المصالح الشخصية والأنانية السياسية لدى آلهة السياسة في العراق، قد أنتج أنموذجاً مشوّهاً بات الأبرز في الواقع العراقي، من حيث أنه ركّز وشرعن لثقافة (الأنـا) التي تنتعش على حساب المواطنة والقيم الأصيلة. ومن هنا ينبغي ملاحظة انحسار المفهوم الوطني إلى مدى مرعب، بحيث بات الشعار الوطني مجرَّد كلمات مهلهلة تعطي في الغالب المفهوم المعاكس ولا تكاد تنطبق واقعاً في أغلب الأدبيات السياسية إلا نادراً.أيها السادة: ما يشاع عن تفكّك العراق والخوف من ذلك، ما هو إلا قمة الجليد الظاهرة عياناً، لأننا – تاريخياً- يمكن أن نحافظ على تماسك التراب، لكن الأخطر هو ذوبان أنموذج الوطن في عيون الأجيال القادمة.








