المقالات

بين العقل والقلب

رانية نجيمة

لقد توقفتُ منذ زمن بعيد عن الإيمان بِقُدُراتِ العَقل المُطلقة، فعلتُ ذلك عندما خذلني عقلي مرات ومرات.. إلا أنيّ لم أتَوَّقف مَع ذلكَ عَن التفكير. و عِندما أرى أحدَهُم يسألُ آخراً عَن أيِّهما المُهيمن عَلى قراراتِه، أهو العقل أم القلب؟ أضحَكُ في صَمت، أضحك من سذاجة أولئك الذي يحقّرون مِن شأن العواطف ويضعون العقل معها في درجة واحدة.. أمعقول أن هناك من لا يزال يؤمن بقدرة العقلِ المُطلَق أو التفكير المَنطِقيِّ السَّليم في الوصول إلى الحقيقة وتسيير الإنسان نحو النجاح والفضيلة؟ ألا يتأمّلون عالمنا هذا؟ أتبدو لهم السلوكات البشرية مذ بدء الخليقة حتى يومنا هذا نتاج عقل وتفكير منطقي سليم؟
إنيّ أومِن الآن وبِشدَّة وأكثَر مِن أيِّ وقتٍ مَضى وأنا أتأمل مآل البشرية الحزين أنَّ عَواطِفَ المرءِ هِي المُسَيطرة دائماً على كُلِّ قراراته، بَينما يَتلخّصُ دَورُ العقلِ أو المنطقِ في تَبرير و شَرح القراراتِ الإنسانية العاطِفية الخالِصة لجعلِها تَبدو مَنطقية في عيون الآخرين؛ الإنسان ليس إلا كتلة من المشاعر والانفعالات.. والعَواطفُ فيه هِي السُّلطانُ الآمِرُ و النّاهي و الحاكِمُ المطلق في كلِّ ما يأتي بهِ هذا المخلوق العاقل مِن أفعال، أما العَقلُ فإنه ذلك الوزيرُ المخلِصُ الأمين الذي لا يتدخّلُ في قراراتِ الملِك بِقَدر ما يبحثُ لها عَلى الدّوام عَن تبريراتٍ تجعل السلطانَ يبدو حَكيماً في أعين الآخرين.
قناعاتي هَذه لم تأتني مِن فَراغ بَل تكوّنت لديَّ مِن تجارب خضتها أنا كما فعلَ غيري. فأنا الآن أستطيعُ أن أقولَ عَن نفسي و كذا عن الآخرين أنّنا إذا أحبَبنا شيئاً أو إنساناً لِسبَبٍ تجهلُه عُقولُنا الواعية مَدحناه مَديحاً لا يُضاهى و رأيْنا فيه الخيَر كُلَّه، و هذا الشيءُ أو الإنسانُ نفسُه إذا كَرهناه استخرجنا مِنهُ العيُوب المُتَوالية كأنَّ الله لم يخلق فيهِ سِواها…
فهل نستطيع تغيير طبعنا البشريّ؟ ترى أيهما أقدر على الوصول إلى الحقيقة، العقل أم القلب؟ وهل توجد حقيقة من الأصل أم أنّنا كلُّنا نتخبطّ في بحر مُظلمٍ امتزج بالسماء بعد أن مَسح سواد الليل خطّ الأفق؟.
لا أعرف.. لكن المؤكّد هو أن المشاعر النبيلة تُسعد أصحابها وإن أرهقتهم ظاهريا، وأنّ مشاعر الكره والحقد والغضب تتعس أصحابها طال الزمان أو قصر.

قد يهمك أيضاً

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان