منال إميل منذز
مثلما يشقّ نور الفجر ظلمات الليل ليشرق الصّباح ساطعاً بالأمل، كذلك يشقّ نور الحبّ ظلمات الرّوح ليشرق الوعي ساطعاً بالمعرفة، وبذلك الوعي ندرك أنّ المذاهب والأديان ليست سوى دروباً متعدّدة للوصول إلى هدف واحد وهو حقيقة الوجود وإدراك الله، ليس مهماً الدّرب الذي نسلكه بل المهم أنّ نتجاوز كلّ الصّعاب التي تواجهنا ونتخطى التّحدّيات ونصبر على الآلام خلال المسير لنتمكن من الوصول وهنيئاً لمن يصل.
لي صديق كان زميلي من أيّام الدّراسة، لفترةٍ ليست ببعيدة كان ما زال (جاهلاً) مثلما يحلو للكثيرين أن يُسمّوا الإنسان الغير ملتزم دينيّاً، وكان هذا (الجاهل) مليئاً بالفرح وبالحياة وبالمحبّة للجميع، كلّ ما فيه يبتسم أحلامه أفكاره حياته، كان ينظم القصائد ويُرندح مواويل الصافي الجميلة ويُقسّم آهاتٍ على العود ويُنظّم الرحلات ويدعو الأصدقاء، فتراه يترك أجمل الأثر في كلّ مكان قصده وأعذب العطر في كلّ قلبٍ عاشره، باختصار كان يزرع الحبّ والأمل والفرح في أعماق كلّ أصدقائه، ثمّ التزم صديقي دينيّاً فأُقفِلت أبواب الفرح ونوافذ الأمل. واحتجبت الضحكة خلف الظلاميّة الشديدة، وتبعثرت كلمات القصيدة بين المفاهيم الضائعة وتجمّدت على العود أوتار النغم، فإذا كلّ ما فيه كئيبٌ ومنغلق وأصبح دائم النّقد والملاحظات السلبيّة وبأسلوبٍ قاسٍ وجارح وبدل الفرح أصبح يزرع فينا ألف لغزٍ وألف سؤال، أعرف جيّداً بأنّ هناك بعض القضايا لا بدّ ستتغيّر وهذا حقّ، أمّا أن يتحوّل إلى إنسان منغلق معقّد عصبيّ متحجّر الأفكار مكفّر للآخرين مُنقادٍ للجهل فهذا ليس حقّاً، وهو طبعاً بسلوكه الجديد هذا لا يُمثّل الدّين بل يُمثّل نفسه وأمثاله، وما أكثرهم اليوم ومن مختلف الأديان والمذاهب مع الأسف، ولكن ليس كلّ المتديّنين هكذا على العكس فهناك ملتزمون دينيّاً حقيقيّون تسمو أرواحهم فتغرّد فرحاً وهدىً ومحبّة في نفوس الآخرين، والأمثلة عليهم حيّة وكم نحن بحاجة لأمثالهم في زمننا هذا كي نقتدي بهم وكي لا نسمح للجهلاء من المتاجرين والمتطاولين على الدّين وقيمه، أصحاب العقول الضيّقة والمتحجّرة أن يشوّهوا صورة الدين ومفهومه الحقيقيّ وأن يفعلوا في نفوسنا ما يفعلون من جهل وضياع، وحده العقل طريقنا إلى النور وإلى الله، فكيف لمن لا يعرف الفرح والمحبّة أن يُدرك حقيقة الوجود وأن يُدرك الله ؟!.
من قال إنّ الدين ظلاميّة، مَن قال إنه هجر للفرح وتعصّب وتزمّت وتشدّد وإنه يُناقض الإبتسامة وإنّه ليس رحمة وليس علماً ونوراً ومعرفة ؟!.
فالله جميلٌ يحبّ الجمال، الكلمة جمال والشعر جمال والموسيقى والنغم واللوحة جمال والمحبّة والإبتسامة والأمل والفرح والرحمة والتسامح والعلم كلها جمال فوق جمال وبوحدتها تنشد وحدة الكون، ألدين سلوك وأخلاق وجوهر وقيم ، فلنترك القشور السخيفة ولنتعمّق بالوعي في جوهر الأديان والإنسان، لنتمكّن من إدراك حقيقة الوجود فينا وحقيقة الله فالمشوار طويل والعمر قصير.








