لكي لا يٌحّرف التاريخ من جديد
نجم الساعدي
التاريخ ليس مجرد كتابة وتوثيق أحداث او وقائع جرت وإنما هو تحليل وفهم لتلك الوقائع إضافة إلى توثيقها والأخذ بأسبابها ونتائجها التي ستبقى على مدار الزمن.
وحيث لا يمكن أن تفهم الثورة على وجهها الحقيقي ما لم تدرس من جميع جوانبها سواء في المقدمات لها أو ما جرى في حينها, أو النتائج التي تمخضت عنها والآثار التي تركتها.
اليوم كما هو بالأمس يخرج علينا بين الحين والأخر مراهقون سياسيون ومن مخلفات وأذناب الرجعية التي أطاحت بها ثورة 14 تموز 1958 لكي يحاولوا أن ينالوا من تلك الثورة العظيمة بالادعاء مرة إنها كانت انقلاباً عسكرياً ومرة أخرى أن العسكريين لا يصح أن يقودوا دولة, ومن أجل أن لا يحرف التاريخ ويسدل الستار على وقائع تلك الثورة فلابد من أن تفهم على وجهها الحقيقي وذلك بدراستها وبالاستناد إلى الوثائق والشهود الذين كتبوا في مذكراتهم أو من خلال مقالاتهم وهي كثيرة خاصة ونحن مررنا بفترة أربعة عقود مظلمة حكم العراق في اغلبها بالنار والحديد بعد انقلاب 8 شباط الأسود 1963 ولم يأخذ الباحثون المساحة الكافية في تحليل الثورة ودراستها والكتابة عنها بصدق لعدم وجود حرية للفكر والرأي حيث النظام الشمولي الحديدي الذي اشترى ذمم الكثير من الكتاب والإعلاميين وانصبت كتابات أكثر الباحثين على تاريخ السلطة الحاكمة وممارساتها والبسوها ثوبا من الشرعية وحللت ثورة 14 تموز وكتب عنها بروح معادية في أكثر الأحيان مما ضيع فرصة كبيرة للبحث العلمي و المنهجي والنضج الفكري على أبناء الشعب العراقي وخاصة الشباب منهم في معرفة ما حدث فعلا في ذلك اليوم الخالد.
وأهمل البحث الجاد حتى اخذ البعض من أبناء هذا الجيل ينظر ولا يجد أمامه إلا صورة مشوهة وناقصة عن ثورة 14 تموز.
إن ثورة 14 تموز كانت احتجاجا نهائيا وحاسما على الواقع المعاش بعد أن أخفقت جميع الوسائل الأخرى في تغيير ذلك الواقع العراقي المؤلم لكي تصبح الثورة قدرا حتميا لابد منه.
لقد توفر المناخ السليم للمجتمع العراقي بعد 1958 على أن ينهض من جديد بعد سبات طويل وواقع مؤلم وخير ما تذكر به الثورة هي كون قادتها كانوا نموذجا للخلق الثوري الرفيع الذي مارسوه وكتبوه بدمائهم وضحوا من اجله بحياتهم وليس قولا بألسنتهم فقط, لقد خيروا بين استغلال السلطة في العيش بحياة مرفهة فيها الغنى والمتعة والنفوذ وبين العمل المخلص من أجل انجاز وعودهم وتحقيق أهداف ثورتهم حتى الموت الذي لاقوه بصدور رحبة وقلوب مؤمنة يوم 9 شباط 1963 حيث قاوموا بضراوة وإصرار وصبر كبير واضعين نصب أعينهم الحفاظ على دماء الشعب وأرواح الجماهير التي دافعت عن الثورة فآثروا ان يصمدوا ويلاقوا المصير لوحدهم, وهذه قمة الجود والعطاء وقد استحقوا فعلا ان نجعل منهم رموزاً وطنية تعيش في الذاكرة على المدى الطويل.
وكان الراحل الفذ عبد الكريم قاسم نموذجا عملاقا تعالى على مغريات السلطة وعاش بثوب الزهد, لان سلوكه قد هز الضمير الحي وأيقظه من السبات وكشف بالوقائع (وهي كثيرة) زيف الحياة وزيف الزعماء الذين جعلوا من السلطة مبتغاهم وشق له طريقا جديدا في العمل الثوري, حريا بنا ان ندرسه ونجعله قدوة في فن القيادة ونرد به على الادعاءات التي يدعيها البعض بأن العسكر لا يمكن ان يقودوا الشعوب والمجتمعات نحو التغيير.
لقد كان حريصا ومصمما على هذا النمط العالي من السلوك الذي بان وبقي سمة واضحة ومضيئة لكل الثائرين المخلصين.
وكانت حركة التغيير التي قادها في 14 تموز 1958 من انصع وارقي الثورات العالمية قياسا بعمرها الزمني القصير وانجازاتها الكثيرة والواقعية الملموسة لدى أبناء شعبنا وكان القائمون على الثورة قادة حقيقيين للمجتمع مناضلون وقفوا في الطليعة لم يأسرهم الواقع المعاش وانما وضعوا أنفسهم في مستوى اعلى منه وان كانوا يدركون الواقع ويتعذبون بسببه حتى أصبحت الثورة قدرهم ومحط امالهم وشغلهم الشاغل.
ولنا عودة في عدد قادم.








