“ألف مالكي” ولا حكم الميليشيات؟
سرمد الطائي
ليس هذا المقال اتهاماً لأحد، لكنه “خيال اسود” ألقاه في روعي أحد المعلقين على مقال الأمس “الى انصار الحرب حصرا”.
يقول المعلق: ولو اندلعت الحرب الاهلية وانتشر المسلحون في الشوارع، فسيقول المثقفون الناقدون انفسهم: “ألف مالكي ولا حكم الميليشيات”.
انه خيال اسود لطراز خطير من التمسك بالسلطة، شهده العالم الثالث مرارا، ولا احد يتمنى ان نواجهه في العراق.
ولا اتهم هنا رئيس مجلس الوزراء بأنه يخطط لزج الميليشيات ليقوم بضربها لاحقا بهدف “استعادة الحب المفقود” بينه وبين الجمهور. لكنني اصاب بالرعب بمجرد ان اتخيل ان هناك فردا واحدا من النافذين في السلطة، يفكر بطريقة تماثل ما قاله المعلق على مقال الامس.
هل هناك من يفكر بخطة سوداء كهذه هدفها ربح الانتخابات البرلمانية بأي ثمن؟ هل خطر الامر على بال الميليشيات نفسها؟ ألم يفكروا بخطورة ان ينقلب المالكي عليهم في لحظة ويجعل من البطش بهم بطولة تزيد من حظوظه في صناديق الاقتراع؟ هل تؤدي خسارة ٧٠ مقعدا في الانتخابات الى كل هذه الهستيريا؟ ولو انتشر المسلحون في الشوارع وفقدت مؤسستنا الامنية السيطرة، فهل سيعني هذا شيئا سوى ان القائد العام فشل في صيانة هيبة الدولة، وفشل في منع المؤسسة من الانهيار؟
انه خيار اسود ولا شك. ويحسن بأي شخص نافذ تخطر على باله فكرة مماثلة، ان يبحلق طويلا في مجموعة حقائق. فإذا جرت الحرب اليوم فستكون بغياب الجيش الاميركي. وستكون بين جماعات مسلحة وساسة من الطرفين، اكثر مالا ونفوذا وخبرة في اساليب التدمير من ٢٠٠٦. وستكون ايضا وهذا الاخطر، اقحاما رسميا للعراق في اقذر جبهات التقاتل والتي تمتد من حي الشياح في ضاحية بيروت الذي قصفته الصواريخ الاحد، وتمر بضيعة القصير ومناطق بانياس، ولا يدري احد اين تنتهي. وبدل ان نحافظ على استقرار نسبي في العراق قد يسهل تفرغ الجميع لإطفاء فتنة الطوائف في الشام الكبرى، فان جميع المطبلين لفكرة “الملاحم والفتن” سيجدون في اقتتال داخلي حوالي بغداد، عرسهم الاكبر ويصفقون قائلين: لقد وقع العراق في فخ شراكة الحرب والنفط والرجال الموتى.
ان اندلاع حرب بطعم طائفي هنا، امر لن يسهل اطفاؤه هذه المرة وليس مرشحا لإعادة تطبيق “صولة الفرسان ٢” برغبة الحصول على حب جديد يتبادله “الفارس” مع الناخبين. لان حدود الحماقة السياسية اكبر وأفظع هذه المرة. بالضبط كما كانت فرص الحوار كبيرة منذ ٢٠١٠ وتبددت الواحدة تلو الاخرى في صراع ارادات دولية وإقليمية بقينا نحن ضحيتها.
نعم لن اتهم رئيس الحكومة بأنه يفكر بسيناريو اسود لاستعادة حب مفقود مع جمهور شيعي قام اكثر من نصفه بالتصويت للصدر والحكيم والتيار المدني الشهر الماضي، وانحاز لتيار اطلق عليه دوما وصف “شيعة ضد الحرب”. لكن المالكي ظل يوحي لنا بكلمات كثيرة منذ “ورطة الهاشمي” انه “لولا دولة القانون لانهار العراق” وما شابه. وكان ايضا ابرز من استخدم عبارة “الحرب الاهلية” بعد محاولة سحب الثقة دستوريا، وحين ارسل دباباته الى طوزخورماتو، ويوم وصف المتظاهرين بالفقاعات.
والحقيقة ان كثيرا من تجارب التمسك بالسلطة في العالم الثالث، قامت بمخاطبة الجمهور على هذا النحو: اما ان تقبلوني بأخطائي وفشلي، او انني اجعلكم تتحسرون على عهدي.
وتجارب التمسك بالسلطة على هذا النحو كانت تقول ان على الجمهور ان لا يطالب بتغيير او اصلاح، والا فسنجعله يترحم على عهدنا المليء بالخطايا.
جزء من هذا مارسه المسلحون الموالون لصدام حسين في السنوات الاولى للتغيير، وكانوا يحاولون جعل الناس تترحم على حكمه المليء بالحماقة والقمع وتوريط الأمة بحروب مع كل الدنيا. لكن الامور مشت وحظينا بحياة دستورية واعدة، ومشاريع اصلاح سياسي طموح. وحين تبلورت آليات التغيير والإصلاح والحوار بهدف احتواء السخط وبناء الثقة، كان المالكي رافضا لكل ذلك ويطلب من الجمهور ان لا يخرج بتظاهرة لا في ساحة التحرير ولا ميدان الحويجة.. ويتعجب من رغبة البرلمان في استجوابه، ويقول انه لو ذهب الى البرلمان “فستنقلب الدنيا”.
ليس من المعقول بعد كل التضحيات على مذبح الحلم بدولة حديثة، ان نستسلم لفكرة “الف مالكي ولا حكم الميليشيات”. ان وضع النخبة السياسية بين خيار القبول بخطايا عهد المالكي، او بحكم الميليشيات، هو أسوأ ما شهدته كل تجارب التمسك بالسلطة في العالم الثالث. من هذه الزاوية ينبغي ان ينطلق اي حوار ثقافي وسياسي اليوم يريد مناقشة كيفية التعامل مع كرة النار التي تتدحرج على أجسادنا.








