المقالات

من سيصلي خلف الصدر؟

من سيصلي خلف الصدر؟

سرمد الطائي

منذ الصباح وخلال متابعتي لخارطة معظم الانفجارات الإرهابية في بغداد، أحاول أن أتخيل وجه قاتل يرسم مسار العنف ويقول لزعيم التيار الصدري: “انظر حولك، فأهلك الشيعة يتعرضون للذبح، لقد حان الوقت لتبايع القائد العام للقوات كي تردوا على المفخخات”. ان وزارة السلطان مهتمة كثيرا أن تثبت للصدر أن آهل التظاهرات في الأنبار ونينوى هم وراء التفجير هذا. سلطاننا يشعر بالخيبة لأنه لم يقنع الصدر بالاصطفاف معه. خائب لأنه لم ينجح في دفع جمهور التيار الصدري نحو موقف طائفي كالذي يؤسفنا أن نراه اليوم بين جزء من جمهور المالكي. في الوقت ذاته كنت أحاول إن أتخيل وجه الصدر وهو يتابع الاعتداء المميت الذي يستهدف جمهوره. ترى بماذا يفكر هذه اللحظة؟ وبعد ساعات تعلن المحطات التلفازية أن هناك بيانا خطيرا ومهما للصدر. يخيم الصمت على الجميع. بعض من الذين يعرفون رهاني على موقف التيار الصدري، يسألونني: كيف تتوقع بيانه الآن؟ ان كثيرا من الجمهور يتوقع أن ينفد صبر مقتدى الصدر ويبدأ الرد على العنف الطائفي بعنف طائفي مشابه أو على الأقل ببيان يدين فيه التظاهرات ويمتدح المالكي. كثيرون ممن لم يستوعبوا طريقة تفكير الطاقم الشاب في القيادة الحالية للتيار الصدري، وممن لم يحسنوا قراءة ما يقوله الصدر منذ سنوات، كانوا يتسمرون أمام الشاشة بشك وحذر. الدقائق المحدودة تمضي، والشباب مرتابون مما سيقول الصدر.

 أما أنا فكان ردي انه سيعلن موقفا مهما منسجما مع تعريفه لمصلحة أهله. ان لدى الصدر حسب ما سمعت منه وجها لوجه مطلع الشهر الحالي، ركيزتان: الأولى هي تعلق عاطفي بالوحدة الجغرافية التي اسمها العراق. سألته في حوار طويل سينشر قريبا: ما أنت صانع إذا ما طلب أهل الغربية إقليما دستوريا كضامن لحفظ حقهم. يجيب بما معناه: ليضمنوا لي بقاء العراق موحدا وليأخذوا ما شاؤوا من ضمانات وحقوق. اسأله عن التظاهرات وهو أوضح من دعمها برغم ملحوظاته على بعض راياتها.. فيستخدم في إجابته كلمتين: الوصال والهجران، وهما كلمتان يستخدمهما المتصوف في باب العشق. أما ركيزة الصدر الأخرى فهي تعريفه الخاص لمصالح الطائفة الشيعية في العالم، وهو شيعي صلب العقيدة والمنشأ. يقول لي: لا مصلحة للشيعة إلا بحفظ علاقة متينة مع مليار مسلم سني، نصلي معهم لقبلة واحدة. أريد سلاما أبديا مع المسلمين، وخطاب الكراهية ارفضه، وسأتمسك بموقفي حتى لو شكك السنة بي، وحتى لو فقدت تأييد بعض الشيعة، فإزاء من يشكك هناك عقول وطنية ستستوعب ما أقول الآن أو لاحقا. ان الصدر يعلن هنا أن خلافه مع المالكي ومع قيادات شيعية بارزة داخل العراق وخارجه، هو في تعريف مصلحة الشيعة. الصدر يؤمن بأن إزالة أسباب الكراهية وضمان حقوق الجميع هو أسلوب وحيد لضمان حق الشيعة. أما “الأمن القومي الشيعي” بنظر المالكي فيقوم على تحريك الدبابات نحو كركوك والأنبار واعتقال المزيد من سنة العراق والتفكير بمعاني الرؤوس النووية الإيرانية. الصدر مستعد أن يخسر تأييد جزء من الشيعة مقابل صفقة سلام وطنية تؤدي لصلح كبير بين الطوائف وتبرد صفيح الوطن. والمالكي مستعد لاستفزاز كل الطوائف ليبقى زعيما لطائفة خائفة وقد يشعل حربا لأجل ذلك. يرفع بعضهم أعلام القاعدة في التظاهرات فيقول لهم الصدر: عليكم إنزالها كي ننجح في الدفاع عنكم. ويقول المالكي وأتباعه: انظروا لحقيقتهم وتعالوا لنبيدهم. وهذا خلاف عميق بين الطرفين بشأن فهم المصلحة الشيعية والعراقية، هو اكبر من موقف سطحي أو مناكفة على السلطة. ولذلك فإنني لا اقلق وأنا انتظر بيان الصدر، بعد أن اختبرنا مرارا تصوره لخطورة ظهور دكتاتور يبدأ بظلم السنة والأكراد ولن يتوقف عند الشيعة بكل اتجاهاتهم. لكن الشباب يتسمرون أمام الشاشة ويرتابون بشأن بيان الصدر، يخافون أن يصطف إلى جانب المالكي ويدعو لتسليح الطائفة (ويبيع الوطن في لحظة غضب). لكن المفاجأة (التي لا تفاجئني) هي أن المحطات التلفزيونية انشغلت بأخطر بيانات الصدر على الإطلاق. فبدل أن يدين السنة كطرف يتهمه المالكي بالعنف، قال “إن عراق علي والحسين يتسع للجميع، وما يحدث من تهميش لسنة العراق كارثة لا تغتفر..”.

 انه أهم بيانات الصدر التي ستعقد خارطة الشطرنج العراقي كثيرا وقد سمع كل صانعي السياسات هذا البيان أكثر من مرة مساء الثلاثاء. لكن مهلا، فقد سألت الصدر عن تظاهرات الغربية في حوار مثير وموسع سننشره خلال أيام، فأجابني: “لا بد من أن نتمسك بالوصال معها، وأقول للمتظاهرين: كفاكم هجرانا”. انه يستخدم تعبير الوصل والهجران الخاص بالمتصوفة، في التعبير عن رمزية الشراكة في الوطن. ويجعلني أتذكر بوضوح بعض ما دار بيننا في لقاء خاص بمكتبه بقيت أتذكر تفاصيله طيلة الأسبوعين الماضيين. يقول لي. أنا سعيد واشعر ان أسرتي وأجدادي الشهداء سعداء أيضا لأنني صليت خلف إمام جامع عبد القادر الكيلاني. لكن لا أخفيك، فان انتصار المشروع الوطني لن يتم بهذا وحده، بل نحتاج أن يدرك آهل الأنبار ونينوى وأهل الكيلاني حجم المخاطرة التي نحن فيها، ويتقدموا نحوي خطوة.. وان يأتوا يوما ليصلوا خلفنا. ان الصدر يبحث عن شريك يتقبل المغامرة بأشياء كثيرة للوقوف بوجه سلطان متسرع محب للكرسي ومستعد لإحراق الجبل والصحراء وبغداد. الصدر يغامر ويتعرض لاتهامات شيعية خطيرة بأنه “شق الصف الشيعي” وانحاز لبارزاني والعراقية. وهو يريد طرفا من الجانب الآخر يقبل شراكة مسؤولة في هذه المغامرة. ينتظر من سيصلي خلفه كي يطفئ نار الاتهامات التي ينسجها حوله المالكي ولكي تكتمل أركان الشراكة من الكيلاني حتى النجف. وبدون قبول لمغامرة بهذه المقاييس، سيمكن لحاكم مجنون أن يعبث بكل المصالح ويسلمنا إلى “جيش المختار” و”جبهة النصرة”. إنني وآخرون نقرأ بيان زعيم التيار ونسأل: من سيصلي خلف الصدر؟

قد يهمك أيضاً

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان