رؤيتنا 2
تشكل الدولة المد – دينية:
الدين وإشكالات بناء الدولة
Our Vision 2
The formation of the civic-religious state:
Religion and the Problematics of statebuilding
ضياء نجم الأسدي
الأمين العام لكتلة الأحرار
المقدمة:
تعيش المنطقة العربية اليوم مرحلة مهمة من التحولات السياسية التي قادتها دون شك تحولات إجتماعية و ثقافية وصراعات كانت تتمظهر تحت و فوق السطح و صراعات مفتوحة لمدة من الزمن. و بصرف النظر عمن خطط لتلك التحولات وقادها و أنجزها فإن فيها من الجوانب الإيجابية بقدر مافيها من الجوانب السلبية. ما يحدث اليوم في البلدان العربية يختزله المصطلح الذي يستخدمه الإعلام الغربي و مافيه من إيحاءآت دلالية في اللغة الإنجليزية ( spring) . و نحن بوصفنا باحثين ومحللين سياسيين نهتم بالمصطلح و بدقة إستخدام المفردات و دلالاتها, لا ينبغي لنا أن نتجاوز عن الغرض الذي أُعدت له تلك المصطلحات دون ان نقلبها على جميع وجوهها المحتملة. ذلك لإننا إن كنا نتعامل مع اللغة ببراءة و تلقائية فإن الآخرين لا يفعلون ذلك بالتأكيد. كما و أن اللغة في ذاتها زلقة حمالة أوجه في جميع مستوياتها النحوية و الصوتية و الدلالية و التداولية. و اللغة كما هو معروف و كما يعبر علماء تحليل الخطاب ليست الوسيلة الأمثل للتواصل فحسب بل هي أداة للصراع و الهيمنة و التضليل و الإيهام.
ليس الغرض من هذه التوطئة أن نترك الظاهرة أو الوقائع و نشتغل باللغة و كيف تستخدم المصطلحات لوصف الظاهرة أو الوقائع المرتبطة بها. لكن الغرض هو التمهيد لتحليل الظاهرة قيد البحث بالاستعانة باللغة أو المصطلح كوسيلة أولية ومهمة لفهم الواقع.
استخدمت وسائل الإعلام الغربية مصطلح (spring ) لوصف ما حدث في البلدان العربية بعد الثورة الجماهيرية التونسية التي قدح زنادها لهب البوعزيزي, الضحية و الفتيل الذي يُظن أنه قد أشعل الانتفاضات العربية المتعاقبة. وهذا المصطلح له بالعربية معانٍ عدة أهمها مايأتي:
1. الربيع أو الينبوع أوعين الماء
2. النابض أو الزنبرك و ماينتج عنه من حركات كالطفرة أو القفزة أو الإنبثاق أو الأرتداد
3. الثورة أو الانتفاضة
الثورة أو الانتفاضة
الربيع أو الينبوع أوعين الماء
و كما هو واضح فأن معاني المصطلح موزعة على شكل خطي يمثل طرفاه الأبعدان معنيين متفاوتين و مختلفين في الشدة و الشعور. فالطرف الأول يحمل المعاني الرومانسية الحالمة المرتبطة بدلالات المصطلح التي تحيلنا الى الربيع و عيون الماء و الشلالات و تدفق مياهها. و الطرف الآخر عنيف يرتبط بدلالات الثورة وما قد ينتج عنها من سفك للدماء و تدمير و تغيير على كثير من المستويات.
و على الرغم من أن الإعلام العربي قد استخدم ذات المصطلح الذي أوجده الإعلام الغربي وروج له, إلا أن المفارقة الأكبر هي أن الإعلام الغربي عندما يستخدم كلمة (spring ) فإنه يحيل الى الثورة ويستدعي معانيها ودلالاتها. أما عندما يستخدمها الإعلام العربي فإنه يحيل الى الربيع و معانيه ودلالاته. و النتيجة النهائية هي تحول الثورات أو الربيع العربي الى حالة زنبركية/نابضية تنبسط و تنقبض بحسب القوة المؤثرة أو المسلطة عليها فتكون مرة حالة من الرومانسية و الأمل و تارة حالة من الثورة و العنف و التدمير. أما من هو المسؤول عن التحكم بالزنبرك أو النابض ومطُه بين الطرفين المتباعدين, فبكل تأكيد هو عين المسؤول عن صناعته و الذي يمتلك السيطرة عليه.
المصطلح مرة أخرى
و عوداً على عنوان البحث الذي اسميناه (الدولة المد – دينية) فقد تعمدنا استخدام كلمة المد لتحيلنا الى معنيين:
1. الأول هو المد أو التيار المرتفع
2. الثاني كناية عن المدنية
وهكذا يصبح المفهوم إما دولة يعلو فيها المد الديني (دينية المد) أو دولة مدنية على وفق مفهوم المدنية المعاصر:
· فما منزلة الدين و أثره في التحولات الراهنة عربياً و أقليمياً و عالمياً؟
· و هل يحظى الدين بمكانة مهمة في بناء الدولة, وصنع السياسات, و التخطيط الستراتيجي, و التنمية؟
إن هذه الأسئلة و غيرها كثير تواجهنا اليوم بوصفنا مثقفين أو قادة أو محللين أو مخططين ستراتيجيين أو صناع سياسة أو صناع قرار. وهذه الأسئلة تختلف تماماً عن تلك التي يوجهها الناقدون السياسيون و الناقدون الاجتماعيون و منظرو الديمقراطية و اللبرالية إلى المتمسكين بخيار “الإسلام يقود الحياة” أو “الإسلام هو الحل” كأنموذج إسلامي لإدارة الدولة ومرافق الحياة فيها. هذه الأسئلة ليست آيديولوجية أو دوغمائية بطبيعتها. إنها أسئلة علمية عملية تحتاج الى أرقام وإحصاءآت ودراسة حالات, وهي تحتاج الى إستطلاعات للرأي و مسوحات ميدانية. إن هذه الأسئلة ببساطة, وبحسب التقسيم الغربي للمعارف الى علوم إنسانية وعلوم إجتماعية وعلوم طبيعية (أو تطبيقية أو بحتة), ليست من تخصصات ميادين الفلسفة أو اللاهوت. إنها من تخصص ميادين العلوم الاجتماعية التي تتصل بالأقتصاد و الإدارة و التنمية. وهي تحتل اليوم مكانة مهمة في البحث العلمي و إدارة المؤسسات و صناعة السياسة و إدارة الأقتصاد و التنمية.
مجدداً, الدين تحت أضواء العلوم الإجتماعية
في عام 2007 مولَ قسم التنمية الدولية في الحكومة البريطانية (DFID) برنامجاً بحثياً أطلق عليه الأديان و التنمية ( Religions and Development ) أو ( RaD ) اختصاراً. وقد شارك في هذا البرنامج مجموعة من الأساتذة و الباحثين المختصين بالعلوم الاجتماعية من مختلف المؤسسات التعليمية و البحثية في بريطانيا. وكانت البحوث و الدراسات المقدمة في البرنامج تتمحور حول فكرة الإفادة من الأديان أو منظومات المعتقدات في المجتمعات أو الدول النامية و حتى المتقدمة في التنمية و بناء المجتمعات بناءً صحيحاً يتناغم مع بناء الدولة ديمقراطياً ومدنياً. وكان البرنامج في بياناته يركز على الدول التي عانت تحولات في أنظمتها السياسية و في أطوار بناء الدولة مثل الهند و باكستان و معظم الدول الأفريقية.
إن هذا البرنامج يحمل دلالات مهمة للباحثين في العلوم الاجتماعية و الدراسات التنموية. ومن أهم دلالاته هو التحول في المنظور الذي تعرضت إليه المؤسسات العلمية و البحثية الغربية. نحن نعرف كيف بدأت الدراسات الإجتماعة و الأنثروبولوجية و نعلم و ثاقة الارتباط بينها وبين الدراسات الثقافية و الكولونيالية و كيف أسهمت دراسة الطبائع الاجتماعية و الثقافية التي قادها علماء الاجتماع و الرحالة و المستكشفون في أواسط ونهايات القرن التاسع عشر في التمهيد الى مرحلة الكولونيالية و السيطرة الغربية على منطقتنا. وقتذاك كانت غاية الدراسات الثقافية و الإجتماعية ودراسة الأديان تنبؤنا عن الآخر و كيف يفكر وكيف يعيش و كيف يمكن إقناعه و السيطرة عليه. أما اليوم فيبدو أن دراسة الأديان أضحت مهمة في فهم الدور الذي يمكن أن تلعبه في تنمية المجتمعات و تطويرها.
على أن هذا الموقف المعرفي الجديد تجاه الدور العملي و التطبيقي للأديان يختلف تماماً عما يعتقده المفكرون الإسلاميون من إمكانية قيادة الدين للحياة. فالمشكلة بين الموقفين مازالت إبستمولوجية و أنطولوجية و ميثودولوجية و أكسيولوجية (معرفية و تاريخية و منهجية و قيمية). المشكلة كلية وليست جزئية. وأن أي محاولة لدمج الإثنين معاً دون فض الاشتباك المعرفي و مايصاحبه من اشتباكات سيكون محض ترقيع أو مماطلة لا طائل من ورائها.
يكاد العالم اليوم يجمع على أن تشكيل الأنظمة السياسية و الدول و قيادتها لا بد و أن يخضع الى معايير علمية و واقعية. وهذه المعايير جاءت نتيجة الدراسات و التجارب الإنسانية المتراكمة. على أن مفهوم توماس كون في بنية الثورات العلمية في أن التحولات المعرفية أو تحولات البارادايم السائد قد تحصل نتيجة الثورات لا نتيجة التجارب و الخبرات و المعارف المتراكمة قد لا يتحقق في ميادين العلوم الاجتماعية. وهذا ما حذر منه كون في كتابه الشهير (بنية الثورات العلمية).ومهما يكن من أمر فإن المعرفة الإنسانية في أي ميدان كانت يمكن أن تنتج عن التراكمات أو عن الثورات التي تزعزع البارادايم السائد وتؤسس لبارادايم جديد.
إن التاريخ الحافل بالصراع بين الدين متمثلاً بالكنيسة الأوربية و العلم متمثلا بالعلوم الطبيعية بل وحتى في بعض العلوم الإنسانية قد أسس الى قطيعة بين الدين ومؤسساته و العلم ومؤسساته. و من الواضح أن العلم قد استحوذ على مؤسسات بناء الدولة وإدارتها و أبعدها عن تأثير الدين شيئاً فشيئا. إن ماحصل في أوربا منذ القرن السادس عشر وحتى اليوم يعد إنجازاً إنسانياً مهماً ورائعاً على كثير من الأصعدة. و أن حالة الصعود في بناء الدولة و تنمية المجتمعات البشرية تؤشر على نحو إيجابي الى تحقق المقولات العلمية و الفلسفية التي جاء بها منظرو السياسة. لكننا و الحال هذا أمام مشكلة عويصة تحتاج الى وقفة جادة و تأمل طويل.
لاجرم أن من أهم مبادئ العلوم هو مبدأ قابلية التحقق أو الإثبات (verifiability principle) وهذا المبدأ ينص على أن قاعدة علمية ما يمكن إنطباقها في كل حين, بشرط ثبوت عوامل الزمان و المكان و المعطيات الخارجية الأخرى. فالماء يغلي بدرجة حرارة 100% أينما أخذناه و كائناً من كان القائم بهذا العمل. و مشكلة أرباب العلوم الاجتماعية هي أنهم يريدون لمقولاتهم أن تتحقق بذات الطريقة التي تتحقق بها مقولات أرباب العلوم الطبيعية. ومثال على ذلك فهم يعتقدون أن نجاح تجربة سياسية أو إقتصادية ما في مكان معين يستلزم نجاحها في مكان آخر إذا ما توافرت الظروف الموضوعية لذلك. وبصرف النظر عن المراحل التي مر بها الفكر السياسي الغربي و مراحل تشكل الدولة المدنية الحديثة, فإن هناك صراعاً تحت السطع و آخر فوقه مع كثير من المكونات و الموروثات و الطبائع البشرية التي يُعد الدين أبرزها و أشدها تأثيرا في حياة البشر.
أمتنا العربية الاسلامية
كانت أمتنا العربية الإسلامية بفضل نظام الحكم العثماني الذي تلاه عصر الاحتلال ثم عصر انبثاق الدولة القومية بعيدة عن التحولات التي عانت منها دول أوربا و أمريكا. لإن مشروع الدولة حينذاك كان يتعارض مع مفاهيم الديمقراطية و الفصل بين السلطات و إتاحة الحريات و التعددية الحزبية. فبقي مشروع بناء الدولة حكراً على السلطة الحاكمة و أصبحت المؤسسة الدينية إما مؤسسة ساندة للحكومة و متماهية مع سياساتها أو مؤسسة معارضة للحكومة لا تمتلك مشروعاً لبناء الدولة تمارس العمل المعارض على درجات متفاوته من الشدة و الوضوح.
فانتهى بنا الحال الى جدل طويل ومستمر حول المشروع الحضاري أو النهضوي الإسلامي, ومجموعة من التساؤلات المشروعة:
· هل لدى الإسلام نظرية سياسية؟
· هل لدى الإسلام نظرية إقتصادية؟
· هل لدى الإسلام نظرية في بناء أو تأسيس و إدارة الدولة؟
· هل لدى الإسلام مشروع حضاري؟
· ماهو موقف الإسلام من الديمقراطية و الدولة المدنية؟
· ماهو موقف الإسلام من الدساتير الوضعية و احتكام الناس لها؟
و العديد من الأسئلة المهمة التي يواجه بها الإسلاميون اليوم عندما يتحدثون عن دور الدين في بناء الدولة. و التركيز على الإسلام هنا بمفهومه الخاص و ليس على الدين بمفهومه العام سببه أن الإسلاميين اليوم يتحدثون بكل وضوح عن مشروعهم لبناء الدولة و قيادتها. فهم دون شك خير من يمثل المعسكر الذي مازال يعترف بالدور المركزي للدين في قيادة الدول و مجتمعاتها. إن الجدل حول طبيعة المشروع مايزال قائماً, وعادة ما كان الجدل حول إمكانية قيام الدولة الإسلامية يأخذ ثلاثة مناحٍ مهمة:
1. العودة الى التأريخ و الإحالة الى تشكل الدولة الإسلامية بمراحلها المتعاقبة منذ عصر النبي محمد (صلى الله عليه و آله) و ماتلاها من حقب زمنية أختلف الناس في تسميتها و أطلق عليها بعضهم دول الخلافة.
2. الإحالة الى نماذج لدول قائمة تحتكم الى الشرع الاسلامي و تعتمد في إدارتها على مفاهيم إسلامية و أخرى مقتبسة من الفكر السياسي أو القانوني المعاصر.
3. الإحالة الى محاولات غير مكتملة و غير شاملة في الاجتهاد بحثاً و تنظيراً في أسس بناء الدولة
و على هذا الأساس فلدينا اليوم في منطقتنا ثلاثة نماذج دينية واضحة في العمل السياسي و بناء الدولة:
1. الأنموذج السعودي السلفي
2. الأنموذج الإيراني الشيعي
3. الأنموذج التركي العلما – ديني
لقد حققت كل من المملكة العربية السعودية و إيران و تركيا في العقود الأخيرة من القرن العشرين قفزات مهمة في بناء الدولة و في التنمية الاقتصادية و المجتمعية وذلك بحسب مامرت به كل واحدة من هذه الدول و ما اعترض طريقها من أزمات و مشاكل. لكن الأنظمة السياسية في كلٍ من إيران و المملكة العربية السعودية بقيت عرضة للإشكالات و التساؤلات. و أنها ما انفكت تثير الجدل حول مدى إنطباق معايير الدولة الدينية أو الدولة المدنية عليها. وهي في الوقت ذاته تتباين في تركيبتها و آيديولوجيتها و مرتكزاتها الفكرية. على الرغم من الأدعاء أنها تستقي من المعين ذاته (كتاب الله وسنة نبيه أو كتاب الله و عترة نبيه).
أما الأنموذج التركي فلطالما راق للراصد الغربي لإنه يجد فيه ملتقيات كثيرة مع رؤية الغرب للعالم و منظومته الفكرية و السياسية. و علينا أن لا ننسى أن التحولات في بناء الدولة التركية الحديثة كان بعضها ثورياً (كما تحقق على يدي أتاتورك مثلاً) أو تراكمياً (كما تحقق على أيدي قادة حزب العدالة و التنمية مثلاً). و علينا أن لا ننسى أيضاً أن تركيا كانت تنجذب نحو المنظومة الغربية بقوة لإنها كانت تريد الإندماج فيها. وعملية الإندماج تلك كانت تتطلب سلسلة من التحولات في بناء الدولة و متبنياتها و على رأس كل ذلك تحول الدولة الى دولة ديمقراطية مدنية. فهل يمكن للإسلاميين أو دعاة مشروع الدولة الإسلامية أن يحذوا حذو الدولة التركية؟ ربما نشك في ذلك في الوقت الراهن على الأقل.
إعاقات التحول: مشكلة التعريف و المفاهيم, و مشاكل عضوية أخرى:
علينا أن ندرك أن تحولنا كأمة عربية إسلامية نحو الديمقراطية و بناء دولة مدنية تعيقه جملة من العقبات. بعضها نظري مفاهيمي و بعضها الآخر عضوي متأصل في تركيبتنا الذهنية و الفكرية و الإجتماعية و الثقافية. و للإنصاف و الحقيقة علينا أن نعترف بإن مشكلة المفاهيم و التعريفات الدقيقة ليست محسومة حتى في العالم الغربي الذي أمضى الى الآن ما ينيف على الأربعة قرون في بناء و قيادة الحياة الديمقراطية. العالم الغربي أبعد الدين بما هو دين عن مسرح الحياة السياسية بفضل الفصل الحاسم بين الدين و العلمانية أو بعبارة أكثر وضوح ودقة بين الدين و اللادين. فالعلمانية هي أحد أشكال اللادين.
في القرن السادس عشر و بفضل جهود نخبة من الفلاسفة و المفكرين و علماء الإجتماع الغربيين أصبح الدين و دراسة الدين جزءً من ميدان العلوم الاجتماعية. وتحول الدين من إطار مفاهيمي شامل و رؤية الى العالم الى مكون من مكونات الثقافة الإجتماعية كاللغة و الفولكلور و الأطعمة و الأزياء و الطقوس الاجتماعية. وصار موضوع الدين مبحثاً من مباحث علم الاجتماع و الأنثروبولوجيا و الدراسات الثقافية. و انكمش علم الأديان أو الإلهيات أو الثيولوجيا ليقتصر على تحليل النصوص الدينية و تأويلاتها, و تقديم الخدمة في الكنائس ودور العبادة و ممارسة الصلوات و الطقوس العبادية في أيام الآحاد أو السبت أو غيرها من أيام العبادات لدى الديانات المختلفة. وهكذا أصبح الدين موضوعاً لعلم الاجتماع. بمعنى أنه أصبح خاضعاً لمقولات العلم التي أهمها مبدأ (قابلية الإثبات أو التحقق) وبما أن معظم مقولات الدين تتعلق بالغيب و لا سبيل لا ثباتها أصبح الجانب الغيبي في دراسة الدين ضمن حدود علم الاجتماع غير معترفٍ به وجرى التركيز على الجوانب الإجتماعية من الدين.
علينا أن ندرك أن قصة حياة الدين في الغرب أو صيرورته تختلف تماماً عن قصته في الشرق وفي منطقتنا العربية الإسلامية تحديداً. فنحن لم نعش صراع الدين و العلم ولم نعش إخفاقات المقولات الدينية وعدم قدرتها على الصمود أمام المقولات العلمية. لكننا عشنا ومازلنا نعيش أزمة التسلط و الدكتاتورية و انعدام التخطيط و غياب التنمية. فأما علماء الإجتماع و المنظرين الغربيين و دعاة فصل الدين عن السياسة و بناء الدولة فيقولون أن المعوق من الأنطلاق و تأسيس دولة حضارية مدنية هو وجود سلطة دينية و وعي ديني مازلا سائدين. و أما دعاة تأسيس الدولة الدينية التي تحتكم الى الشرع فيقولون أن أسباب هذا التردي هو السنين الطويلة من غياب المشروع الاسلامي و تصدي العلمانيين لإدارة الحكم طيلة العقود الماضية و أن الدين قادر على صنع الحياة و إدارتها إدارة صحيحة.
نحن اليوم بأزاء خيارات ثلاث لا رابع لها فيما يتعلق ببناء الدولة و إدارتها:
1. إما أن نبحث عن أفضل النماذج التي ابتدعها العقل الآدمي حتى هذه اللحظة التاريخية و بصرف النظر عن مناشئها و نتبناها في شؤون بناء الدولة و إدارتها, أو:
2. أن يكون لدينا أنموذج إسلامي خالص نظري و عملي و واقعي و قابل للحياة و قابل للتطبيق نتبناه و نستند إليه في شؤون بناء الدولة و إدارتها, أو:
3. أن يكون لدينا منهج و أنموذج تلفيقي يعتمد على أخذ الأفضل من الأنموذجين السابقين وتطبيقه بشكل واقعي لا قسري على كافة مناحي الحياة و على رأسها بناء الدولة و قيادتها و نظم أمر الناس و تنمية مجتمعاتهم.
وجواب هذه المعطيات متروك لمن يتصدى لإدارة الدولة وقيادتها. وهو أيضاً متروك للناس أن يوجهونه لمن يتصدى لبناء الدولة و قيادة مؤسساتها. فإن في حسم أجوبة تلكم المعطيات إختصار للزمن و وضوح في الهدف و توفير للموارد التي اعتدنا على استهلاكها و الإسراف فيها دون حاصل أو ناتج.
الكولونيالية و العولمة و الدين (مشروع أمريكا في العالم و في المنطقة)
يتحسس الأسلاميون اليوم من مفردات كثيرة ربما يكونوا قد استساغوا بعضها وربما لا يستطيعون أن يستسيغوا كثيرا منها. إن عدة الأدوات الديمقراطية تغص بالكثير من المصطلحات و المفاهيم التي مازالت محل جدل ونزاع بين الإسلامين و العلمانيين. وفي مشروع بناء الدولة يتحفظ الأسلاميون على كثير من مبادئ الديمقراطية و آليات عملها. على أن الجميع اليوم بات مدركاً لحقيقة مفادها أن العالم ينحو باتجاه التلاقي و التوحد على كثير من الأصعدة. و أهم تلك الأصعدة هي الاقتصاد و السياسة و الثقافة. فالعولمة أو النظام العالمي الجديد هما ذراعان قويان لتطويع العالم و تحويله إقتصادياً وسياسياً الى نمط موحد أو على الأقل مجموعة أنماط ضمن إطار موحد. الصعيد الثالث الذي يمثل المرحلة الأكثر تعقيداً هو صعيد التلاقي الثقافي و ما يكتنفه من جزئيات تنذر بين الحين و الآخر بوقوع كارثة ما بحجم ما. وهذا ما تنبأ به كثير من المفكرين وصانعي السياسة أمثال كيسنجر, و برنارد لويس, و صاموئيل هتنكتن و فرانسز فوكوياما. فالجميع على اختلاف ماتوصلوا إليه من نتائج يلتقون في جملة مواقف:
· الدولة الأقوى إقتصادياً وعسكرياً وسياسياً وتقنياً هي الأقدر على قيادة العالم و الأصلح لهذا الدور.
· يجب فرض الإرادات و المشاريع التغييرية بالقوة.
· يجب تغيير الثقافات و الآيديولوجيات عن طريق المواجهة و الإخضاع و الهيمنة سواءً عن طريق القوى الناعمة أو الصلبة.
· الأنموذج الديمقراطي الليبرالي الأمريكي هو الأنموذج السياسي الأفضل لقيادة الدول بل و الأفضل لقيادة العالم.
· الصدام المحتمل بين القوى الكبرى هو صدام حضاري, وليس آيديولوجي.
· الدول العربية الإسلامية بمنظوماتها السياسية و الفكرية الحالية تشكل تحدياً للمشروع العالمي الأمريكي الذي يقدم على أنه مشروع الديمقراطية و الحرية.
·شارك:








