المقالات

"البطاقة التموينية والأمن الغذائي"

قاسم السوداني

عندما أقر النظام البائد العمل بنظام البطاقة التموينية لتأمين احتياجات المواطنين من الغذاء بعد احداث عام 1990 وفرض العقوبات الاقتصادية كان مدركا لأهمية الامن الغذائي وتوفير رغيف الخبز بشتى الوسائل لتلافي ثورة الجياع والفقراء التي لا ترحم ولا يمكن اخماد لهيبها وفعلاً نجح هذا النظام رغم قمعه واستبداده بعقد اتفاق مع الامم المتحدة تم بموجبه توقيع مذكرة التفاهم لبرنامج النفط مقابل الغذاء والدواء والذي مكنته من توفير اكثر من (12) مادة غذائية اضافة الى الادوية والمستلزمات الضرورية الاخرى وبكلفة (2.6) مليار دولار تقريباً لكل مرحلة من مراحل هذه المذكرة ولاحظ العراقيون كيف كانت مخازن وزارة التجارة تغص بالمواد الغذائية بعد الاحتلال على الرغم من توزيع الحصة التموينية لستة اشهر تحسباً لحرب طويلة الامد.

وبعد سقوط النظام تفاءل الناس ببزوغ فجر جديد يمكنهم من الحصول على اسباب العيش الرغيد الا ان ما حدث العكس فقد تعالت اصوات البعض مطالبة بألغاء البطاقة التموينية الا ان الحكومة تريثت في حينها بسبب الكلفة الاجتماعية الكبيرة والتي تفوق الكلفة الاقتصادية التي يتحملها الاقتصاد العراقي  جراء الالغاء وتم التدرج بعامل الزمن لألغاء البطاقة التموينية بطريقة غير مباشرة عن طريق ترشيق مفرداتها لتقتصر على اربع مواد فقط لتهيئة المواطن نفسياً لقرار الألغاء وتقويض ردود الافعال الشعبية المتوقعة جراء هذا القرار، وبدفع من بعض الخبراء والمستشارين الاقتصاديين وبسبب غياب الرأي العام وضعف السلطة التشريعية والرقابية المتمثلة بالبرلمان قررت الحكومة وبشكل غير مدروس الغاء البطاقة التموينية وفتح جبهة جديدة مع المواطن قد تعصف بأمنه الغذائي وتهدد قوت عياله لاسيما الفقراء منهم بتبريرات غير موضوعية ومتناقضة بدعوى وجود الفساد والفاسدين في وزارة التجارة وهي بذلك تترك الاسباب وتتجاهل النتائج وكان الاولى بالحكومة ان تحاسب الفاسدين وتقيل المسؤولين الذين لم يستطيعوا القيام بواجباتهم بإحالتهم الى النزاهة ، والا فينبغي على الحكومة ان تلغي جميع استيراداتها من الدواء والمشتقات النفطية وغيرها من المواد التي تستوردها الوزارات الاخرى والتي تعاني ايضاً من الفساد والمفسدين 

وعليه نرى وبعد ان قلق المواطن على امنه الغذائي ومن منطلق الحرص على المكتسبات التي حققتها الحكومة والعراقيون بدمائهم ولكي لا تنزلق البلاد في أتون صراعات جديدة اخطر من معركتها مع الارهاب واستجابة لدعوة سماحة السيد مقتدى الصدر الذي دعا في بيان له الحكومة بالعدول عن هذا القرار وتأمين قوت الشعب والمطالبة بزيادة مفردات البطاقة التموينية وتحسين نوعيتها وكذلك نداءات خطباء الجمعة بالتراجع عن تنفيذ القرار، نرى ان على الحكومة ان تتراجع عن هذا الاجراء وان تبتعد عن التبريرات والحلول الاستهلاكية التي لا هدف لها سوى تمرير القرار بمعالجات غير عملية كأن يتم حصر استيراد وتسويق مادة الطحين بيد الحكومة المتمثلة بوزارة التجارة وهذا الاجراء مثير للجدل… فهل مادة الطحين تستوردها وزارة غير وزارة التجارة العراقية..؟ وهل هذه المادة خارج ملفات الفساد التي اعترفت بها الحكومة في هذه الوزارة بالتحديد ..؟ كما ندعو البرلمان للقيام بواجباته بحماية المواطن والحفاظ على أمنه الغذائي بعيداً عن المزايدات السياسية خصوصاً وأن انتخابات مجالس المحافظات على الابواب، كما نعتقد ان من المفيد ان نذكر بأن البدائل التي طرحتها الحكومة بمنح البدل النقدي ستعقد الموضوع وستؤدي هذه التدفقات النقدية الى رفع جماح التضخم وارتفاع الاسعار وانخفاض قيمة الدينار خصوصاً وان الحكومة تعاني من ضغوط سياسية تجعلها غير متمكنة من السيطرة على السوق وتحديد الاسعار والدخول كمنافس فيه في ظل المافيات التجارية التي تدعمها مافيات سياسية خاضعة لسلطة رجال الاعمال التي تحتكر صناعة القرار الاقتصادي  في الغرف المظلمة، ناهيك عن التحديات الاقتصادية التي يواجهها العراق من بعض الدول الاقليمية التي تعمل على اضعافه اقتصاديا وسياسيا والظرف الامني الذي تعيشه المنطقة والذي ينعكس سلبا على واردات العراق والتدفقات السلعية التي تمر عبر موانئ هذه الدول.

واخيراً لا نريد ان نذهب بعيداً عن نظرية المؤامرة ذلك لاننا نعتقد جازمين بان من دفع باتجاه اتخاذ هذا القرار لايريد للعراق الاستقرار بغض النظر عن كافة التبريرات التي لا تخرج عن فلك افتعال الازمات لوضع اسفين بين دولة رئيس الوزراء وحكومته من جهة وبين فيلق الفقراء من ابناء الشعب المظلوم من جهة اخرى وانه نداء مدو تردده ضمائر الجياع قبل حناجرهم ننقله للسيد المالكي للعودة الى صفوف الفقراء والاستجابة لمطالب الشعب بتأمين وسائل العيش الرغيد وتطوير نظام البطاقة التموينية بالاستفادة من الخبرات الاستيرادية الوطنية التي يعج بها العراق واجتثاث الفاسدين والمفسدين من مؤسسات الدولة وابعادهم عن العبث بقوت الشعب.

 

[email protected]

قد يهمك أيضاً

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان