المقالات

لماذا يحجّ المسلم؟!

فلاح خيري

المسلم يحج بيت الله الحرام لإظهار العبودية التامة لله وحده، وتجاهل كل ما يربطنا بالدنيا، فنترك الأهل والأحباب والممتلكات والأعمال، ونتوجه بقلب خالٍ إلى خالق الكون، لنهنأ بعبادته، ونحن نرتدي ملابس أشبه بالأكفان، وكأننا نعلن عن استعدادنا لترك دنيانا وللوقوف بين يدي الرحمن لنغتسل من ذنوبنا ونتطهر منها ونتعهد بعدم تكرارها، وبدء صفحات نقية وناصعة البياض، ونبذ كل ما يغضب الرحمن أثناء الحج وبعده، ومجاهدة النفس وقهر الشيطان والانتصار عليه.

فلننتهز فرصة وقفة عرفات، ونتّحد قلبا وروحا مع كل الحجاج، وندعو لهم بقبول الحج، وبالعودة أفضل مما ذهبوا، وأن يكتبنا الرحمن مع المتطهرين، والله يحب المتطهرين، ومع التوابين والذاكرين والخاشعين، ونصفي قلوبنا من أية أحقاد أو مشاعر ضغينة تسكنها ضدّ أي إنسان، مهما بلغ أذاه لنا مبلغا شديدا، ولنسامحه (دون إخباره) وقلوبنا تنبض بالآية الكريمة: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّـهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). ثم ندعو له بالمغفرة والهداية فنفوز بمكاسب رائعة دينية ودنيوية، فالأولى معروفة، فالله يحب المحسنين وكفى بها جائزة..

أما الدنيوية فسنرتاح من أعباء نفسية هائلة مؤلمة عندما نتذكر الإساءة، ونستفيد من الطاقات الهائلة المهدرة في تذكّر المعاناة والتفكير في الانتقام، وندّخرها للاستفادة منها فيما يفيدنا دينيا ودنيويا..

ولنتعلم كراهية الجدال المنهيّ عنه أيام الحج، ونحسن لأنفسنا فالرحمن لم ينهنا عن الجدال إلا لحبّه سبحانه وتعالى لنا، لذا يطالبنا بحماية أنفسنا عن كل ما يؤذينا نفسيا أو دينيا أو اجتماعيا، وأن نتعلم الارتفاع عن الصغائر، وندّخر أنفسنا للأهم في الدين والدنيا، فلا نبعثر قدراتنا فيما يضرّنا..

عزيزي الحاج.. فلنحبّ أنفسنا ونرطّب قلوبنا بالذوبان حبا وخشوعا للرحمن اللطيف، ولنغمض أعيننا، ونتخيل أنفسنا نؤدي هذه المناسك الطاهرة وسط الزحام الرائع الذي جاء ليكون الدليل المتحرّك على الآية الكريمة: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ).. ولنتنفس بكل خلايانا الحكمة الرائعة من تخلي الحجاج عن كل ما يميزهم ماديا أو اجتماعيا، فالجميع سواسية، فلا نتعالى على أحد ولا نسمح لأحد بالتعالي علينا، ونتعامل مع أنفسنا ومع الجميع كما قال الله تعالى : (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)..

اذن.. لماذا لا نبدأ منذ وقفة عرفات عمرا جديدا نتطهر فيه تماما من كل ذنوبنا ونغتسل ونصلي ركعتي التوبة، ونعاهد الرحمن على أن نكون أفضل دينيا ودنيويا، ونستعن بالعزيز الحكيم دائما في كل أمورنا فنحن عبيد لا حول لنا ولا قوة مهما بلغت قوتنا في الحياة الدنيا أو عظمت مكانتنا أو تكاثرت ممتلكاتنا، فكل ذلك رزقنا به الرحمن وحده، بما في ذلك العقول والنشاط ونعمة السعي، فلنسعد بالعبودية التامة لله فبها وحدها نتحرر من كل ألوان الشرك ومن العبودية.

قد يهمك أيضاً

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان