إبراهيم سبتي
تدين الحقبة الخمسينية العراقية في القصة القصيرة ، لثلاثة أسماء مهمة لتميز ذلك الجيل عن أجيال الرتابة الفنية السالفة وهم عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي ومهدي عيسى الصقر الذين كانوا آباء للقصة العراقية .. وعند ظهور أسماء لاحقة أخرى بعدهم ، يكون العقد الخمسيني قد انقضى وجاءت فترة الحراك السياسي والاجتماعي والدخول في تقلبات الموجة السياسية وخاصة بعد ثورة تموز1958، ونجحت الأسماء الجديدة في إعطاء القصة العراقية حقها وقيمتها الفنية العالية .. هم الستينيون إذن .. الستينيون الذين قلبوا حال القصة واظهروا للآخرين من الكتاب القلقين والخائفين ، بان الفن القصصي العراقي لا يختلف فنيا عن الفن القصصي المصري او اللبناني حين كانا جد معروفين عربيا .. فدخل محمد خضير بقوة شاب طموح مغامر الى الساحة القصصية واثقا مما ينتج ويكتب بشكل لم يكن معهودا ، وكذلك الحال لموسى كريدي واحمد خلف وعبد الستار ناصر وغازي العبادي ومحسن الخفاجي وجمعة اللامي ومحمود جنداري وجليل القيسي وجاسم عاصي ويوسف الحيدري وغيرهم . وكانت القصة العراقية قد تغيرت تماما عما كانت عليه ( استثناء لكتابات التكرلي وعبد الملك نوري ) فقد احتفظا بمكانتهما الفنية وسط احترام وتقدير الستينيين . وقت ذاك ، أخذت القصة العراقية طابعا تقنيا مختلفا وشائكا في نفس الوقت . فإضافة الى الصانعين الحقيقيين للقصة الستينية ، ظهر عشرات غيرهم أرادوا ان يكتبوا قصة مختلفة بفنية عالية لكنهم أحبطوا جراء تأثير تلك الاسماء الراكزة التي عرفت اهمية القصة الجديدة المواكبة للتطورات والمتغيرات السياسية انذاك . فكانت تلك الجموع الغفيرة من القصاصين قد عرفت حجم المسؤولية التي يجب حملها فآثر اغلبهم الانسحاب او التخندق مع آخرين او الاستمرار مجاراة للأسماء الطموحة الواثقة . وصار في العراق نخبة كتاب عرفوا عظم المهمة وأسرار صنعة الفن الحكائي الصعب ، فانطلق عربيا من انطلق فيما بقيت شهرة بعضهم لا تتعدى العراق واكتفوا بها والنماذج كثيرة . ان إشكالية الوضع السياسي الستيني العراقي ودخول بعض الكتاب الى الأحزاب المتناحرة انذاك ، شكل منعطفا تاريخيا على المستوى الفني للقصة فعكسوا انتماءاتهم تلك في قصصهم وكأنهم أرادوا التبشير لأحزابهم او تصدير افكارها الى الناس . ففي الوقت الذي كانت اغلب القصص والروايات عبارة عن تاريخ شخصي وسير مع تضمين للواقع السياسي تاركين هموم المرحلة للعدد القليل الذي اعتنق القصة بكل جدارة واخلص لها . وكان اغلب الاشتغال الستيني الذي اثر على القصة العراقية لاحقا ، واضحا في إتقان اللغة والاشتغال على دلالاتها ومعانيها واشتقاقاتها والانتباه الى المهمشين والمغمورين من الناس والذين يعيشون في قاع المجتمع والدخول في عوالمهم بدقة كما في قصص محمد خضير الذي اعطى للغته الباذخة وفرة من الاهتمام مما اثر على مجموعة من الكتاب كتبوا بصيغة محمد خضير وان لم يصلوا الى فنه وظلت محاولاتهم معلقة تفتقد الى الشخصية الفنية.. آخرون من الكتاب فضلوا الكتابة بشخصية مختلفة صانعين منجزا حسب لهم بجدارة وانضموا الى قائمة الآباء ما جعل لهم هيمنة دون منافس على فضاء القصة انذاك .. لكن هل الاسماء اللاحقة من القصاصين بعد الستينيين يشكلون مرحلة الأبناء ؟ الأبناء الذين تاثر بعضهم بالفن الستيني الجامح واشتغلوا على مسطح شاسع من الأفكار والبنيات أكملوا فيها المشروع الصاخب . واعتقد جازما بان بعض الكتّاب الذين جاءوا بفترات مختلفة بعد جيل الستينيات ، قد أسسوا لفن قصصي بارز عراقيا واختطوا لهم طريقا مستقلا بدراية إلا أنهم لم ينصفوا نقديا كما حصل للستينيين والخمسينيين الذين كان النقد مجاريا لكل تجاربهم وظل قريبا منهم واشر بحرقة كل المنجز وان مال بعض الشيء الى أسماء محددة في بعض طروحاته.
إبراهيم سبتي








