المقالات

اعتذار حتى لو كان متأخرا

جمعة عبد الله مطلك 

اصدرت الحكومة الاسترالية اعتذارا الى سكان استراليا الاصليين . وقد زادت على ذلك بان اعتبرت هؤلاء السكان هم الاصل وان تاريخا باستراليا لابد ان يكتب من جديد لمراعاة هذه الحقائق . وقبل ذلك اعتذرت الكنيسة باثر رجعي لكل الارتكابات التاريخية التي اضرت افرادا او شعوبا بضمنهم غاليليو بقصته المعروفة . ولم يمنع الغرور رجلا مثل دي كليرك زعيم الاقلية البيضاء في جنوب افريقيا من الاعتذار للاكثرية السوداء من دون تلكؤ او اضطراب لغوي يمكن ان يفسر معاني الكلمات بغير ارادة كليرك الحقيقة بنقل جنوب افريقيا الى تاريخ اخر .

   وبرغم السلوك المستفز للرئيس الليبي واستعراضيته فقد اعتذر بيرلسكوني عن فترة الاحتلال الايطالي لليبيا . والاكثر اثارة هو الاعتذار الذي قدمته روسيا لدول اوربا الشرقية القديمة عن الاخطاء التي ارتكبتها بحق البولنديين والمجريين خاصة . وبنفس السياق اعتذرت اليابان لكوريا الجنوبية عن اساءات سابقة ايام النزعة الجنونية العسكرية لاكبر قوة اقتصادية في العالم اليوم ” أي اليابان ” . وتجري محاولات لاقناع البابا الحالي بالاعتذار عن فترة الحروب الصليبية .

       اعتقد ان هذه الاعتذارات تشكل اغراء قويا قد يدفع لتاليف كتاب او بحث موسع حول الثقافة الانسانية واستدلالها على منظومة الحقوق التي يقتضيها الوجود الانساني نفسه . ترتبط هذه المنظومة بالاخلاق . وعندما يلتقي السلوك الحقوقي بالمضمون الاخلاقي فان تجارب ساطعة يمكن ان تصبح امنيات لدى الشعوب النرجسية التي تعتقد نفسها بافضل حال واقدس تاريخ مثل تجارب اليابان وكوريا واستراليا والامال المعقودة في روسيا على صياغة تجربة مغايرة .

    تصلبت الثقافة العربية على ابنية نرجسية ترى في نفسها وتاريخها وحتى جرائمها افضل الاجناس والاقوام واسعد الايام والليالي والدهور . هكذا اطلقت هذه الثقافة وقيمها على الفرد لتخلق ايديولوجيا التعصب والكراهية التي سممت حياة العرب وجعلتهم اكثر الشعوب انتاجا للعنف وتبريرا له . فكيف مرت زلزلة المقابر الجماعية العراقية من دون ادانة عربية واضحة وصريحة ” يفترض ان تكون بديهية ” . في أي مصفوف حقوقية او اخلاقية نضع مواقف الدفاع عن النظام السابق الى وصل الى تبرير هذه المقابر وادعاء انها ” مزورة ” وليست حقيقية .

  الخوف ان يسري خطر هذا الانغلاق على الطبقة السياسية العراقية في تعاطي مكوناتها مع بعضها البعض . وبالفعل فان دلائل كثيرة تثبت سريان هذا الداء في مفاصل الكثير من المكونات السياسية التي لا ترى غير اخطاء الاخرين .

    وفي الحال العراقي فان الاعتذار الذي يصحبه تسامح ما ينقص هذا الوجود العراقي الصعب والملغز .

 

 


قد يهمك أيضاً

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان