المقالات

جدار الشك

جمعة عبد الله مطلك

تنهض الدولة الحديثة والنظم الديمقراطية على ارضية صلبة من عامل الثقة بين مكوناتها . ويعبر القانون الذي يحترمه الجميع عن هذه الثقة عندما يلتزم الجميع بحدوده ويلجا المتخاصمون الى محاكم ملزمة هي الاخرى للفصل في المنازعات .

يشكل هذا الوصف البسيط تراكما لقرون من نضالات الانسان وجهوده اثمرت في النهاية شكلا للدولة يعبر عن راي المجتمع أي عموم الناس في مضمون هذه الدولة واخلاقها وتوجهاتها . وفي العمق من هذا المضمون كما ذكرنا تمثل الثقة قاسما مشتركا اعظم للفعاليات الانسانية والاجتماعية والثقافية حتى يتوج المجال السياسي بهذه الثقة كما يحدث في الديمقراطيات العريقة التي نحاول تقليدها متعثرين بنفس الازمة التي واجهتهم أي ازمة الثقة .

على ان هذه الازمة في بلادنا لا تخص النخبة السياسية وحدها فهي تمثل عرضا صعبا من اعراض الوهدة العراقية الطويلة والتخلف البنيوي الشامل الذي اصاب مرافق الحياة لقرون عثمانية صعبة وعقود بعثية اكثر صعوبة . واغلب الظن ان كسر جدار ازمة الثقة في الكيان العراقي فوق طاقة التكوينات السياسية الحالية . فيبدو امرا محبطا ان تعيد هذه النخبة انتاج اشكاليات الازمة في طريقة تعاملها مع بعضها البعض وهو الامر الذي يخفي مضمون نظرتها للدولة ومستقبلها . تفترض البداهة الاخلاقية ان هذا المضمون يرتبط بترسيخ مؤسسات الدولة وبث الثقافة السياسية الضرورية لاحترام هذه المؤسسات وهي وصفة لا يمكن للدولة ان تؤدي مهماتها ووظائفها في خدمة المجتمع دونها .

وينظر العراقيون اليوم الى ما يمكن ان ينتجة المختبر السياسي من مفاعيل اقتصادية واجتماعية وثقافية . واحدى اهم هذه المفاعيل طريقة تعبير الطبقة السياسية الجديد عن تراكم السنوات السبع وكيف يمكن لهذا التراكم زيادة  القدرة  على اشاعة اجواء الثقة في المجتمع والاقتصاد والتربية العراقية والاهم من كل ذلك بين الطوائف الرئيسة في البلاد . ويحسب المرء استنادا الى ما يرى ويسمع ويلمس ان الظروف التي تعمل بها  الطبقة السياسية  لا تقف على حد ادنى من ارضية تتماسك فيها الرؤى وتقوى فيها العزائم في ازالة حواجز الشك بين العراقيين .

في هذه المرحلة المتحولة والصعبة يبدو واضحا الامكانية التي يمكن ان يقوم بها جهاز الدولة في اعادة دمج المكونات العراقية بثنائية التنمية الاقتصادية والتطبيع الاعلامي . ثم وعلى المدى المتوسط يمكن لمفاعيل هذه الثنائية ان تصب في ميدان التربية كي تنتج اجيالا عراقية معافاة  من الاقصاء الطائفي والاحادية في النظر والعجز عن التفكير العقلاني العملي .

 

 

قد يهمك أيضاً

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان