بقلم: النائب هاشم الموسوي
اصبح موضوع اعداد وعرض الموازنة الاتحادية بين مجلس الوزراء ومجلس النواب العراقيين من المواضيع التي اكتسبت امتدادا واسعا في جميع طبقات المجتمع واحتلت اهتماما كبيرا بين صفوفه فلا تكاد تجد شريحة من الشرائح او طبقة من الطبقات الا وحديث الموازنة هو الحديث الاول في الطرح وبه يختم الحديث بل اصبح حديث العائلة العراقية الاوحد حتى على موائد الطعام ولا غرابة في ذلك الامر مطلقا بل لا غرابة في المحاولات الاجتماعية من كل الشرائح للوقوف ليس على اقرار او عدم اقرار الموازنة فحسب بل على مطاردة كل شاردة وواردة في فقراتها وجداولها وارقامها وتخصيصاتها اذ انها تمثل طموحا ماديا على مستوى الفرد والشريحة والمجتمع وهي ظاهرة صحية تجعل الحكومة بكل مؤسساتها امام خيار واحد وهو المصارحة وكشف كل الحقائق والخفايا في هذا المشروع ( مشروع قانون الموازنة) …
من جانب اخر اصبح مشروع قانون الموازنة مادة سياسية دسمة لابراز العضلات وزيادة المطالبات واظهار الاهتمام ببعض الامور التي تخص شرائح معينة والاعم الاغلب من هذه المطالبات ان لم نقل كلها هي للاستهلاك السياسي والاستغلال النفسي لتلك الشرائح واعتاد الفرد والشريحة في داخل المجتمع وبنسبة كبيرة التفاعل مع هذه المطالبات من دون التفكير بامكانية تحققها او حتى ادراجها ضمن الموازنة ولذلك فالنتيجة الحتمية لهذا الخداع السياسي هو ضياع حتى الممكن من المطالبات في خضم النزاع على المستحيل منها ..
ومن خلال مواكبة مشروع قانون الموازنة الاتحادية لسنة ٢٠١٥ في النقد والتحليل واستنادا الى مداخلات مجموعة لا بأس بها من الاعضاء سنحاول تسليط الضوء على حقيقة الموازنة وافلاسها وزيف المطالبات وخداعها ……. :
من الواضح جدا ان الصفة التي اطلقها تقرير اللجنة المالية في مجلس النواب على مشروع قانون الموازنة انها موازنة ( اعباء) وبالتالي وللوهلة الاولى نكاد نقطع بان الموازنة لن تكون موازنة مفرحة يمكن ان تضمن فيها الحقوق المالية لشرائح المجتمع وتعطي رؤية استثمارية متفائلة من وجهة النظر الفنية فضلا على التركة السياسية الثقيلة على كيفية اعدادها وتوزيع النفقات الحكومية فيها …
فالممول الاول وبنسبة عالية تصل الى ٧٠٪ لايرادات الدولة العراقية هو النفط ، والنفط قد تعرض لهزة عالمية عنيفة ادت باسعاره الى الهبوط الى مستويات غير مسبوقة .
كان هذا الامر هو العائق الاساسي الذي منع تقديم الموازنة من الحكومة للبرلمان في وقتها القانوني وايضا شكل هذا الامر عبئا ثقيلا على اعدادها ومحاولة ارضاء الجميع ببنودها .
فضلا على الوضع الأمني الاستثنائي الذي سبب وضعا سياسيا جعل الموازنة بموادها وفقراتها قد جانبت الاعداد الفني المهني وركنت الى التوافقات السياسية فهي موازنة سياسية بامتياز وليس للفنية والادارة والخبرة دور فيها وعليه فهي ( موازنة ظالمة بحق اغلبية ابناء الشعب ) كما هو الوضع السياسي القائم ….
فموازنة عامة تعد بمبلغ ( ١٠٧) مليارات دولار اميركي تقريبا ونسبة العجز فيها اكثر من ٢٠٪ وتعتمد في مواردها الايرادات النفطية بواقع اكثر من ( ٧٢ ) مليار دولار وتبتعد عن الخطط الفنية في الاستثمار هي موازنة قلقة وغير مستقرة …… ولاسيما اذا ما علمنا انها في تركيبتها الحالية تعتمد سعر اساس للنفط (٦٠) دولارا بواقع تصدير ( ٣٣٠٠٠٠٠) برميل يوميا وكلا الامرين في خطر فالاسعار العالمية لايمكن التحكم بها وهي في ساعة كتابة المقال ومناقشة الموازنة في مجلس النواب اصبحت (٥١) دولارا للبرميل – برنت- وهناك توقعات بالانخفاض اكثر وبالنسبة لكمية التصدير فقد وضعت في تقديرات الموازنة في اعلى توقعاتها والواقع قد يكون بخلاف ذلك بكثير …..
كل هذه التحديات جعلت الموازنة موازنة تقشف فلا تطبيق لسلم الرواتب المقر سابقا.. ولا تعيينات جديدة ( ماعدا الاحداثات المذكورة في جداولها) … ولا تثبيت للعقود… ولا منحة للطلاب… ولا خمسة دولارات للمحافظات المنتجة للنفط…. ولا اي التزامات مالية اخرى للدولة العراقية بل على العكس تماما توجه لفرض الضرائب على شرائح معينة وتوجه لفرض الضرائب على خدمات معينة كالاتصالات وتذاكر السفر وتسجيل السيارات وتوجيهات بجباية اجور الخدمات كالكهرباء والماء وغيرها ….
هذا كله فضلا على الوضع الامني المتأزم ومشكلة النازحين المتفاقمة والتي تستنزف قسما كبيرا من النفقات الحكومية فضلا على الديون المترتبة على الحكومة العراقية …..
اذن فنحن في حقيقة الامر في وضع افلاس وحالة طوارئ مالية والموازنة على هذه الصورة وبهذه الالتزامات البسيطة لا نعتقد انها تستطيع الوفاء بكل ما موجود فيها من التزامات….
ومن هنا وبعد وقوفنا على حقيقة الموازنة وانها غير قادرة على الايفاء بالالتزامات وسعر النفط ٦٠ دولارا فكيف الحال واليوم سعر النفط اقل من ٥٠ دولارا ؟؟؟؟؟
وهنا يأتي السؤال ، هل الموازنة قادرة فعلا على الايفاء بالتزامات مالية اضافية :
تثبيت المتعاقدين ….. اضافة ٥ الاف درجة وظيفية للتربية …… العمل بسلم الرواتب …… تخصيصات مالية جديدة او التزامات مالية اضافية …. مبالغ اضافية للنازحين ….. الى اخره فكل هذه المطالب وإن كانت مطالب حق إلا أن المطالبات بتحقيقها في هذه الموازنة مطالبات زائفة غير قابلة للتحقق ولايمكن تحقيقها الا على اساس اضافة عجز جديد للموازنة وهو ماسيتحمل نتائجه البلد برمته ….. وهي تستخدم لإبراز العضلات وارضاء المجتمع وللاستهلاك السياسي فقط ليس الا…. وبعيدا عن الحقيقة وتسهم بتضييع الممكن الذي ينبغي المطالبة به والذي سنتحدث عنه في مقال اخر.








