جمعة مطلك
توصم المجتمعات الشرقية بانها مجتمعات لا تاريخية لافتقادها بنيويا التعامل مع الزمن كقيمة عميقة الحضور في حراكها ومضمون نظرتها للحياة . ويعاني المجتمع العراقي تاريخيا هذه الوصفة المؤذية . بل يكاد يكون ممثلها او انموذجها النمطي التقليدي . و ” فجائع ” التعليم في العراق لا تحصى بيد ان ضابط الوقت والزمن قد يمثل الجزء البارز من جبل الجليد الكارثي . فزيادة على ابتلاء الدولة العراقية ومؤسساتها بكثرة العطل في مناسبات مختلفة على مدار السنة اطل ” شبح ” اجازة السبت الاسبوعية وسادة لخدر وعطالة تضاف الى ايام ” الاسترخاء ” التي اصبحت في السنوات الاخيرة القاعدة وليست الاستثناء .
فاذا تواشج يوم السبت مع مناسبة في الخميس او الاحد فان الاسبوع برمته يخرج من قيمته العملية برغم دخوله في عوالم حسابات الرواتب والاجور والسنة الدراسية . والنتيجة المترتبة على ذلك في مجال التعليم ان ” يسلق ” الاساتذة المناهج ويختزلوا الموضوعات كي يبدو في نهاية العام وقد اكملوا شكليا مناهجهم الدراسية . فيما يبدو بعضهم اكثر جراة وربما ” صدقا ” عندما يتركوا الحبل والغارب مرتكنا الى علاقته بهذه الجهة او تلك في مأمن من السؤال حول استيفاء المنهج كما تقتضي القوانين التعليمية ذلك . على ان القضية اعمق من ذلك واكثر خطورة في هذا الميدان ” المسكين ” والخطر الذي لا يحظى بصورة كافية باهتمام الاعلام كما حال الفنانين الفاشلين او النواب الذين يقضون دورتهم الانتخابية خارج البلاد . فيقدم الواقع العراقي صورة ” مرعبة ” لاطباء ومهندسين ومحامين من خريجي السنوات الاخيرة لا يمكن تقدير النتائج الكارثية المترتبة على ضعف تماسكهم العلمي والمعرفي المفضي الى تحلل اخلاقي بسبب وضعهم في المكان غير المناسب والذي لا تؤهلهم قدراتهم العلمية والدراسية ان يمارسوا مهنهم بالشكل المطلوب . حتى تبدو الدولة العراقية ازاء هذا الواقع المخيف معلقة في فراغ الزمن ” السبتي ” وغيره فيندر ان لا يصطدم العراقي يوميا بوصفة لطبيب فاشل تزيد مرضه او تتحرك مركبته على شارع غادرته كل علامات العافية في الرصف بفعل مهندس غير كفوء . اما التعليم الثانوي فهو من اغرب ساحات التعليم ربما في العالم كله . وازاء هذا الخراب الكبير فان قوانين البداهو فضلا عن الضرورة تقضي باختزال يوم الجمعة ذاته كي يتم ترميم بعض اجزاء هذا الخراب لا ان يضاف يوم مع ملاحقه وتوابعه لتكريس واقع شديد التعسر والهدر والفوضى . وليس جديدا القول ان التعليم بكل مراحله والجامعي منه خاصة يمثل بوابة المجتمع على الحداثة وعلى ربط المجتمع بالدولة بروابط العقلانية الوظيفية . وبانتفاء هذه المواصفات من جهاز التعليم العراقي يفقد المجتمع والدولة فرصتهما في التكامل ويذوي الجسم العراقي لصالح قوانين التشتت والعيش على ” مكرمات ” الاخرين وخبراتهم . والاهتمام بالزمن التعليمي يعد الماعة حاضرة وواضحة على ذهن عراقي واع لاسباب تخلفه وناظرا الى المستقبل بثقة موفورة بالله وبالنفس . اما هذه المنتديات العامة والمقاهي التحشيشية التي يطلق عليها جامعات او مدارس فانها رمز لخراب يصعب وصف بداياته فضلا عن المالات التي يمكن ان يقود اليها ولا يعلم مدى سوئها وكارثيتها الا الله تعالى .
تمثل الدعوة الى الغاء عطلة يوم السبت في ميدان التعليم بداية لـ ” عودة الوعي ” الى العقل العراقي وانطلاقة لتعميم هذا الالغاء في كل مرافق الدولة العراقية المصابة اصلا بالترهل والكسل وسوء الاداء . والضغط باتجاه ذلك يرقى الى مستوى الضرورة الوطنية والاخلاقية والشرعية قبل التعليمية المحضة . والبداية من الاعلام ومجتمع الاساتذة ” المخلصين ” وكذلك الطلبة الساعين الى بلوغ حد ادنى من مستويات التاهيل الاكاديمي والمعرفي .








