المقالات

"جرف الملح" وجرف الصخر

“جرف الملح” وجرف الصخر

يوسف الساعدي

لطالما استمتعنا بمسلسل تلفزيوني جميل خالي من الألوان، لكنه يحمل كل الوان العراق, عرض في أواسط سبعينيات القرن الماضي، يحكي عن حياة الفلاح الذي يهاجر الى المدينة، ألفه صباح عطوان، واشتركت فيه نخبة طيبة من المبدعين الكبار من الفنانين.

هذا الفلاح، يعيش في ناحية تسمى جرف الملح، كانت هذه المنطقة، في ذلك الوقت، من أكبر المناطق المصدرة للتمور والحمضيات، وتقع في محافظة البصرة، ويحمل هذا المسلسل ذلك الصوت الجنوبي الممزوج بالنكهة العراقية العطرة، الذي يصدر من شخصياته التي كان أبرزها “غافل” وآخر يحمل المسحاة، وهناك تركتر وصوت “ابو طعمة” و “فزع” و “عذافة” و “ملا فاخر” وجميع هذه الشخصيات تحمل الطيبة العراقية والتلاحم بين مكوناته.

مسلسل تمتزج به الفرحة مع الحزن، والنكتة مع المصيبة، لتجتمع معا وترسم صورة الانسان العراقي الجميلة والطيبة المتواضعة، التي لا تنهي ساعات يومها إلا بالابتسامة والنوم الهادئ.

اليوم، نرى في جرف آخر من البلاد، جرف الصخر، في شمال بابل الحبيبة، بلد الحضارة وحمورابي، هذا الجرف وما يحمله من غيض على أرض الوطن، ويمتزج هذا الغيض بالحقد على ابنائه، لينتج مقابر لزينة شبابه، ويتباهى بكثرة ضحاياه، ليقطع الطريق عنهم، فشتان ما بينهما، جرف من الملح وجرف من الصخر، وما اراد به الارهاب ان يكون بعيدا عن شمس الحرية، شمس الجميع، ليصبغ ارضه دما طهورا، وليخلف وراءه آهات إختلف فيها الاسم والمسمى، آهات لليتامى والثكالا والمفقودين، ليعزل نفسه عن بيوت بلدتي التي طالما كانت مفتوحة للزائرين، ليكون وحيدا بعيدا عن جروف البلاد الاخرى، ولينثر ذرات ترابه, وبعيدا عن ذرات التراب الجنوبية، ومثيلتها في الوسط والشمال ليزرع بذور الموت المتلاطم بين سواقي الجسد الواحد, واطفأت شمسها الغربان، ليعلوا صوت واحد، هو صوت الأنين بين جدران الموت، ولكن لم يطل صبرك ياصخرة في جرف بابل، حتى أتتك أسود الوغى لتبعد عنك الذئاب التي قتلت فيك صورة حمورابي وانهشت جسدك لسنين طوال ومزقته ليعجز الصبر أن يرى صبرك الذي بات أنينا ودموعا شقت سواقي بخدك الأخضر المنتعش بماء الفرات.

قد يهمك أيضاً

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان