عزو الحداثة
إنخراط الدول والمجتمعات في الحداثة، ليس خيارا يمكن تجنبه، أو العدول عنه الى خيارات أخرى. فنظم الدولة الحديثة ومؤسساتها وديناميات عملها، فرع من فروع الحداثة.
فالحداثة السياسية تنبثق عن نظام الحداثة العام الذي أحدث نقلة في تاريخ الانسان، تحددت معالمها بشكل خاص في النصف الثاني من القرن الماضي. ففي هذه السنوات تعممت نظم الحداثة “وإجتاحت” جميع الثقافات والشعوب والبلدان بطريقة واسعة.
وقد وصف أحد الكتاب العرب غزو الحداثة وإجتياحها بهذه السنوات، بأنه قد وصل الى الروح، أي الى خيارات الانسان العميقة. والأمر ليس لغزا في مسألة غزو الحداثة واجتياحها، فالتعليم الحديث والبنوك وقوانين صرف العملات وتنظيم العمل كلها أمور تخضع لنظم غير مسبوقة جاءت بها الحداثة.
ويبقى السؤال بعد ذلك مرتهنا بقدرة الثقافات المحلية على إبداع حداثتها الخاصة، إستنادا الى هذه الطفرة الهائلة في قوانين التنظيم والانتاج العالميين، وما يترتب عليها من علائق سياسية وعسكرية وثقافية قاهرة.
وليس مثل الاسلام عقيدة يمكنه التكيّف وإبداع حداثته الخاصة. فليس في الاسلام كهنوت ولا رهبانية، وكأن عالم الاجتماع الألماني الأشهر، ماكس فيبر، قد أبدى استغرابه من عدم حدوث تطور تقني ضروري في الحداثة الاسلامية بعد العصور العباسية.
وكان ماكس فيبر قد نسب سطوع الحداثة وقوتها بدرجة رئيسة للمذهب البروتستانتي. وقد طرح في كتابه الاشكالي “الاخلاق البروتستانتية والرأسمالية” فكرة مفادها ان القدرة على التنظيم واقامة العلائق الانتاجية الحديثة المنظمة، ترتبط بالعقيدة التي يؤمن بها شعب من الشعوب.
في معرض حديثه عن الاسلام، أوضح نقاط القوة في الدين الاسلامي وقدراته الداخلية والديناميات التي يحويها في إطار واسع من المرونة، متعجبا من تضييع المسلمين فرص بناء حداثتهم الخاصة.
ان ما اشتغلت عليه النخب الايديولوجية العراقية “والعربية” مطلع القرن الماضي، يمكن ان نطلق عليه “الحداثة الرثة”. فقد تبنت هذه الايديولوجيات الهياكل البالية للحداثة الغربية، خاصة في أشكال الدولة والتنظيم السياسي والمؤسسات. وكل هذه التنظيمات لا يمكن إلا أن تمر بدرجة ما عبر موشور الثقافة السياسية الايجابية وتنميط الانسان العام على قبول فكرة التعدد المرتبطة أصلا بالتسامح. وحتى التجارب الاختزالية خارج المركزية الغربية، فقد عملت بهذا الاتجاه مع اعتمادها ايضا على فكرة الدولة كمنظم لعملية الاصلاح السياسي. لقد أورثت الحداثة العراقية الرثة أنظمة وشخوصا ليسوا بقادرين على الترابط التضامني بينهم وضعفت الثقة وبدت الحياة العراقية وكأن لا رابطا وثيقا وعضويا واخلاقيا ضروريا يشد أواصرها، ويمدها بطاقة تنعش الروح وتزيدها ثقة كي تحمل مشروعها الحياتي المنظم والمنتج.
ومن طبيعة هذه الحداثة “الناقصة” قدرتها على توليد الأوهام وتحويل الواقع من جزئيات ونسبيات وقائعية الى ممكنات ذهنية محضة. وقد إتضح ذلك بطريقة مفجعة في المجال السياسي بعد سقوط النظام المباد. فالروابط بين السياسيين العراقيين لم تعبر عن نفسها باتجاه تخليق وترميم المشروع الوطني العراقي. وبدت شحنة الشخصنة والبغضاء مرضية زائدة عن حدها، ولا تنتمي الى قوانين الصراع السياسي المنتج.
ومن دروب الحداثة السياسية الرثة ان تتعامل النخبة السياسية العراقية بكل الشكل والهيكل الديمقراطي الحديث، فيما تغوص عميقا في منطق القبيلة العربية المرتكز أساسا الى منطق الغنيمة.








