المقالات

الى حبيبتي بغداد

 

الى حبيبتي بغداد

منهل عبد الأمير المرشدي

 كلمات صغتها يوما، لأطل بها على الجمهور المحتشد في معهد الفنون التطبيقية في مطلع تسعينيات القرن الماضي كانت هي قصيدتي التي تحاكي قهر بغداد المكبّلة برعب الطاغوت والخوف من هوس السلطان وعنجهية مزاج أهوج أودى بنا الى ما أودى، والى ما نعاني اليوم ونأسى.. يومها تصورت نفسي رقما تلاشى بنيران حروب المعتوه المتلاحقة والمتواترة، فقلت، واصفا نفسي مسجى بنعش وقد جاءوا بجنازتي لأهلي في بغداد.. وتدخل جنازتي الغريبة.. قلب بغداد الحبيبة.. صدى صمت بلا أصوات.. ديار غادرتها المعاجم واللغات.. لحظات.. كل شيء سوف يهدأ لحظات.. لحظات .. جسدي المبلول بقهري، وأبيات شعر وأوراقي والدواة.. أحس ان الكل يهزأ بموتي.. يشمت بي.. يدوي كالرعد صوتي.. لكن صوتي همسا بآذان العراة.. من كل شيء عراة.. ذكريات.. ان موتي ذكريات.. اليوم اشتقت لأكتب شيئا عن حبيبتي بغداد، التي عشقت فيها، مذ فتحت عيناي بمدينة الكاظمية، دلالها وحياؤها وجمالها، وكل خصالها التي لا تليق الا بها.. إرثها واسمها.. طيبة أهلها وبهائها.. كل شيء فيها.. كلها.. تأملت كثيرا فلم أجد من بغداد التي أعرفها شيئا يستفز قلمي القا، ويداعب وجدان عشقي غزلا، ويشحذ حروفي بهوى سلطان الشعر الملهم، بين خلجات من يحب ويهوى لزهو محبوب تسامى وأنتشي بدلاله وجمال اناقته.. بغداد تشكو النزف من كل مكان في جسدها العاجي المضرج بالدماء.. قلب ينبض بالآهات من بين ضلوع تهشمت بحوافر خيل الرعاع واللصوص وارباب النفاق.. عينان نازفتان تذرفان بدل الدمع دما، وتصرخان من حرقة الظلم وثقل الذل.

هل رأيتم أو سمعتم أو قرأتم عن عيون تصرخ قهرا.. بغداد تصرخ باستحياء من كثرة الأدعياء، وسطوة الأشقياء، وخذلان الأحبة، وقلة الناصر، وموت الضمير.. بغداد أمست بين أيدي الفاسدين لعبة وأوراق مقامرة.. تشكوا كل يوم طعنة في الظهر بخنجر من خناجر المؤامرة.. بغداد مستباحة بين أنياب ذوي النفوس الفاجرة.. صار أمرها وقرارها بين لص وقاتل وزنديق ومحتال.. لم يعد في بغداد حبيبتي شيء من الدلال.. لم يعد فيها من ولاة أمرها يخشى عليها.. كأننا نبحث عن رجال.. فلا رجال.. عليلة أنت يا بغداد، ولا طبيب يداوي، ولا دواء.. عارية بكل مفاتنك المقطعة أمام أعين الغرباء.. عارية بلا ستر أو غطاء.. حزينة كئيبة مجبولة على الحداد.. مظلومة مغدورة على الدوام انت يا بغداد.. معذورة عذر عفافك وحياؤك في زمن من لا حياء لهم.

قد يهمك أيضاً

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان