جمعة عبد الله مطلك
فقدت كل الدول العربية مبررات وجودها فدخلت في مواجهة سافرة مع مجتمعاتها. فالدولة كيان قانوني يعبر عن المجتمع ويخدمه. وهذا الاختزال البسيط لمفهوم الدولة قد شهد تطورات عدة منذ تكون ملامح الدولة الحديثة منتصف القرن السابع عشر. ومنذ ذلك الوقت تقلب مفهوم الدولة هناك استنادا الى اصطفافات القوى الاجتماعية والطبقية وقد لعب الفكر والثقافة في عصور التنوير والاصلاح والنهضة دورا فاعلا في تسريع وبلورة مفهوم الدولة الخادمة للمجتمع.
شيئا فشيئا خرجت الدولة الحديثة من هيمنة واحتكار سلطة قد جاءت بانقلاب او ورثت مقاليدها او لاي سبب اخر. اصبحت شانا عاما يهم الجميع وقد دخل جزء اساسي في حياة الانسان العام وارتبط التمثيل النيابي بدفع الضرائب مثلما ارتبط التعليم بسوق العمل والمنافسة حتى اصبح معيار التقييم هو المهنية وكفاءة الفرد وهوما اصطلح عليه ب ” المواطنة “.
ظلت الدولة العربية تحوم كل هذه الفترة حول مفهوم حيازة السلطة واستندت في ذلك الى ارثها التقليدي وهو القوة المجردة. كانت قبل الدولة الحديثة الغربية واقعة تحت نظام الامبراطورية العثمانية وعندما خرجت من هذا النظام لم تخرج من اساسيات النظر الى السلطة والحكم ” الانكشاري “. وقد ساعدت ظروف الاستقطاب الدولي على حماية علاقة السفاح التي استاثرت بها السلطة بالدولة العربية كل هذه الفترة الطويلة من عمر القرن الماضي بكل تفاصيلها الماساوية المتمثلة بضياع فرص الاندماج والتطور واحترام الحق الانساني.
واليوم وقد تغير مفهوم الدولة في الغرب لصالح: ” القليل من الدولة ” وغدت الشركات الكبرى العابرة للقارات صاحبة الكلمة العليا في تقرير السياسات وجدت السلطة العربية نفسها عارية حتى من ورقة التوت التقليدية المتمثلة ببعض انجازات التحديث والخدمات لمواطنيها. وقد انسحب قصور السلطة وعريها على الدولة العربية التي بدت في شيخوخة ” شمطاء ” لا تفقه معنى للزمن ولا للاخلاق العملية او الدينية ولا حتى للتهذيب والكياسة. فمن جهة لم تعد هذه الدولة قادرة على لجم السلطة اذ انها تفتقد الثقافة النقدية التي تفكك مفهوم السلطة وتجعله مفهوما ” انسيا ” او انسانيا لا يخص انصاف الالهة التي تحدرت من القبائل العربية واستوطنت قصورا رئاسية او وزارات او اجهزة اعلام حديثة. ومن جهة اخرى لا تنظيمات اجتماعية عربية قادرة على تنظيم الحراك الاجتماعي وتعويض نقص الدولة الفادح في الحياة العربية. تلك هي قصة وجذور ما يجري في مصر والسودان وتونس والجزائر واليمن وحبلها على جرارها وقصتنا في العراق اثمن في تفاصيلها وتداعياتها من كل ما جرى ويجري.








