جمعة عبدالله مطلك
على الاقل ما توحي به بعض ملامح التراجيديا العراقية المستمرة . ففي ظل استمرار الوجود الملتاع والصعب للعراقيين تمثل الحاجة الى الخيال « مجالا حيويا « يتيح ترميم الخراب ما دام الخلاص من نتائجه ووطأته ليسا بالسهولة التي كنا نتوقعها . ففي الاعماق من كل ذلك لا يكفي ان يسقط الديكتاتور او ان يخرج النفط مجنونا بوفرة المياه . فكل ذلك لا يستطيع ان يخلق تجربة انسانية بديلة . وعلى الرغم من المعنى « الغربي « لمفهوم الانسانية الذي يرتبط باحدى مراحل خلاص الغرب من الوجود المرهق فان لها معنى قد يضارع هذا المعنى ولكن في الخيال ! . ما يحياه شعبنا يقترب من المفاهيم التدميرية التي تسمى في علم النفس الكئيب بـ « نزعة تدمير الذات « . وليس شرطا لهذه النزعة ان يحمل الانسان معولا او سكينا كي يدمر غيره او نفسه . يكفيه من كل ذلك ان يحمل داخله تصورا غير انساني للعالم . ان اساسيات هذا التصور تعني ان يمتلك الفرد او المجموعة التي ينتمي اليها وهي في الغالب ليست حديثة « قبيلة او طائفة او اثنية « الحقيقة المطلقة التي قسم بموجبها الكون الى الثنائيات التقليدية الحادة دون رؤية الظلال الممتدة بينهما . واستنادا الى هذا المنطق العليل فلا مكان للالوان الاخرى ولا التدرجات التي تتراوح بين اللونين الاسود والابيض . فهذا العالم اما دار حرب او دار اسلام . وحتى دار الاسلام فانها مقسومة الى قسمين , اسلام متمكن واخر مستضعف . وهذا الاسلامان يقسمان بدورهما ايضا واستنادا الى ثنائية الاسود والابيض الى فروع تحددها ثقافة الحقيقة المطلقة والتي هي نفسها ثقافة الفرقة الناجية . وفي هذا العالم الكئيب لا مكان للاخر حتى وان كان اخا لك في الدين . اما هذا النظير في الخلق فلابد ان ياتي عندئذ في المرتبة الثانية او العاشرة لا فرق . في الدراسات الحديثة حول البحث عن « سر « التحول فيما سمي بدول النمور الآسيوية ونهوضها فان احد التفسيرات التي حاولت فك « طلاسم « هذا السر هو نسبية الحقيقة التي يفكر فيها الفرد استنادا الى مصادر ثقافته العامة . وفي ظل هذه النسبية يستطيع الانسان « والمجتمع بعد ذلك « ان يدرك التمايزات في الحياة ويرتبط بقانون السببية علميا واجتماعيا . وعندئذ يشعر الفرد بتوازن داخلي غير مغترب عن محيطه وعن انسانيته حتى يستطيع ممارسة دوره في انتاج مستلزمات حياته المادية والروحية . وفي مضمون الاسلام العام كما ورد في القران الكريم والسير الشريفة للنبي واله واصحابه حضورا نظريا ووظيفيا عاليا للنسبية . حتى ان القران الكريم قدم نسبية الحقيقة بصيغة الاستفهام الاستنكاري في قوله تعالى « ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعا افانت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين « . وتعتبر صيغ الاستفهام الاستنكاري لدى البلاغيين من الصيغ التي تشدد على الموضوعة التي تحاول تاكيدها بهذه الطريقة . كالعادة فرط المسلمون بهذه القيمة الفريدة التي سبق بها الاسلام النظم الحديثة وركنوا الى قبائليتهم وصغائرهم فانتقلت نظم احتكار الحقيقة من الدولة الى الفرد . وفي ما بين النهرين يشرب الناس هذا الاطلاق المؤذي وكانه جزء من مياه النهرين . واذا كان يصعب واقعيا على العقل ان يفكك هذا اللغز فان الخيال قد يخفف احتقاناته وثقل وطاته على الروح العراقي المغلول بآثامه وجهله .








