المقالات

الدولة ضد مجتمعها

جمعة عبدالله مطلك

 الدولة مفهوم قانوني حديث نسبياَ . وبالقياس الى  مفهوم المجتمع الموغل في القدم فان الدولة مثلت تتويجاً لمسيرة العقل الانساني في التنظيم العقلاني والعلائقي بالوقت نفسه بين قوى المجتمع المختلفة .   
       أنشأ المجتمع الدولة الحديثة في الغرب . وقد حددت هذه النشأة العلاقة بين طرفي المعادلة حينما أصبحت الدولة « خادمة « للمجتمع وجهازاً تنفيذياً لما يقرره المجتمع وحكماً قانونياً لما قد يصدر من خلاف تفرضه الطبيعة البشرية. وعلى العكس من ذلك فان الدولة العربية والعراقية مطلوب منها اليوم ان تبني المجتمع. ففي ظروف القهر والعسف الذي مزق الاستبداد السياسي به جسم هذا المجتمع فانه لم يعد يقوى على رؤية مشروع الدولة بسهولة. وعندما فرضت الظاهرة الاستعمارية شكلا للدولة الحديثة على العرب والمسلمين فإن المضمون الوظيفي لهذه الدولة دخل في نزاع مع المجتمع على أصعدة مختلفة . مارست الدولة العربية الحديثة « تجريفاً « لقيم المجتمع باسم الحداثة . وفي نفس الوقت لم يطور المجتمع قوى ورؤى جديدة تستطيع تخليق حداثة معقولة تشكل اثراءً وقوة للمجتمع بوجه «غول « الدولة المتعاظم. ويمكن النظر الى مشكلات المسلمين والعرب « والعراقيين « استناداً الى هذا المنظور للتقاطع « العدائي « في اكثر الاحيان بين الدولة والمجتمع .         وفي العراق تم اختزال الدولة الى وظيفة ملء الفراغ الامني وتوزيع « الحصص « على الرعية . ان هذا المضمون للدولة يشابه افانين الاستبداد السياسي التي طبعت الحياة السياسية العراقية بطابعها منذ خمسة آلاف سنة . وحتى بعد التطورات الدراماتيكية التي افصحت عن عمق أزمة الدولة والنخب المسيطرة بعد 9 نيسان 2003 فان الرهان على المجتمع العراقي في تطوير منظوماته الدفاعية والاخلاقية وظيفياً ما تزال قلقة وليست واثقة . لقد اثبت المجتمع العراقي في هذه الفترة المضطربة قدرة على عدم الانزلاق الى حرب اهلية رغم كل العوامل المساعدة على ذلك . الا ان ذلك لا يكفي للثقة في المستقبل ما لم تبادر النخب المثقفة للتفاعل مع الصيرورة السياسية العالمية التي وضعت العراق في مركز اهتمامها لاسباب معروفة تخص موقع ورمزية وثروات العراق .   مرة أخرى يعود الرهان على الثقافة ان تدل على طريق يصعب السير فيه دون بوصلة تحدد محطاته . ومن مناطق الرعب التي تملأ الكيان العراقي ان البحث عن وظيفة للثقافة بهذا المعنى الأخلاقي وهذه النخب يشبه بحث الأعمى عن « قط أسود غير موجود في غرفة مظلمة» .

قد يهمك أيضاً

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان