جمعة عبدالله مطلك
اللاشعور الجمعي مصطلح افتراضي يحاول ان يصف تشابهاً في الاستجابة لدى شعب او جماعة . وينطبق على العقل الجمعي نفس التعريف . ويشيع استخدام هذه المصطلحات اثناء الازمات او عند محاولة التعامل مع تداعياتها . ولان المجتمع العراقي مأزوم بالتكوين والبنية فإن مصطلح اللاشعور الجمعي يمكن ان يصف حقيقة نوعية المشترك العام للعراقيين . فالهياج النفسي وفوبيا المستقبل أهم مكونات هذا العقل أو اللاشعور .
لم تنقلب الثقافة العراقية « بمعنى التفكير النقدي العضوي « على نفسها كي تدرأ الثقوب السوداء لهذا الهياج وتلك الفوبيا . لم تتخلص النخبة من هذه المشاعر واكراهاتها رغم نصائح الامام علي وسجل افلاطون في ضرورة خروج النخبة من كهفها كي تستقيم الأمور لسكان الكهف . انتقلت مشاعر الهياج والخوف الى اللغة فاستوطنت نسيجها واستباحت مجازاتها وحروفها . والنتيجة اللازمة اجتماعياً على هذا الاجتياح والاستيطان ان لا نظام سياسياً تراكمياً في العراق ولا نظرية معرفة اجتماعية عراقية ولا اقتصاد عراقياً قريب الصلة من منطق التدبير وحسابات الحاجة والضرورة .
تبدو البلاد كل مرة كأنها خارجة من زلزال مدمر ومتجهة الى غيره . وفي الطريق بين الزلزالين تطمئن مشاعر الهياج ودفاعات الخوف السائرين في هذا الدرب من كثرة التعود وقلة الركون الى السلام والامن والتخطيط للمستقبل .
وفي المجال السياسي تبرز نتوءات هذا اللاشعور بطريقة ميلودرامية . فلم ينقرض التحكم القبلي في المجال السياسي وزيادة على ذلك فان منطق القبيلة يحكم المدينة والاقليم التي تعبر بمنطقها القبلي الخاص ودفاعاتها المتطرفة على الضد من منطق السياسة . تطلب هذه القبائل والاقطاعات حدوداً ودولاً باسم الفيدرالية تعبيراً عن مشاعر الاهتياج وتلبية لنداء الخوف . في توصيف آخر لهذه المشاعر المعرقلة والمتطرفة يطرح الباحثون فكرة الخصام بين الامة والدولة في العراق . فعندما تضيع معالم الامة وتتوارى الدولة لخدمة السلطة يمكن لاية قبيلة ان تطرح مشاعر الخوف بدل الثقة والذعر بدل اليقين . وبالحال تتخلق عوالم افتراضية لدولة وجيش واقتصاد يعتمد فوهات آبار النفط وكذلك وزارات للخارجية وفرقاً لكرة القدم وشارعاً للمكتبات . اما السؤال عن متى تعترف الدولة بالامة فيطوعا معا وحش السلطة فان الطريق الى ذلك ردم فجوتي الهياج والفوبيا ليس في الشخصية الفردية عيانا بل في اللغة اولا أي في النسيج الصانع للمعنى الممتد تربويا . القاء القبض على وحشي الهياج والفوبيا قد يعقد صداقة « ربما قدرية « بين الامة المتوارية والدولة العليلة .








