المقالات

اللغة السياسية

جمعة عبدالله مطلك

    يطرب العراقيون كثيرا « حقا وباطلا « لفكرة « الفرادة العراقية « . وتتلبس هذه الفرادة صورا سلبية مثل العنف او ايجابية مثل التاريخ الطويل للمدنية والحضارات العراقية . الا ان المؤكد ان فرادة في لغة الطبقة السياسية العراقية ينطبق عليها هذا الاحساس بامتياز . ولا فرق كبيرا في اصول هذه اللغة ومضمونها بين الطبقة السياسية الجديدة التي اعقبت سقوط النظام المقبور وعموم النخب السياسية العراقية .      يحدد علم الاجتماع السياسي مجموعة من الصفات التي تميز اللغة السياسية اهمها المضمون والمرسل والمتلقي والوسيلة . في العهد الملكي والجمهوريات التي لحقته اعتمدت النخبة السياسية العراقية لغة وقائعية تستند الى سردية الدولة العراقية البازغة والتي كانت تتشكل على مهل لكن باصرار . وفي الجمهورية الخامسة وتحديدا بشخص المقبور صدام نحت اللغة السياسية منحى اخر شوارعيا على الاغلب عندما نقلت تقاليد الشارع الى المؤسسة السياسية . وكما هو معهود انخرط الجمهور العراقي في مذبحة حقيقية للغة السياسية اخذت صورا عدة اخطرها ازدراء السياسة او اختزالها في دائرة العنف والعنف المضاد . تعتبر هذه الفترة واحدة من أسوأ الفترات التي مرت على تأريخ العراق في كل المجالات وبضمنها مجال اللغة السياسية .     في الجمهورية السادسة وبعد سقوط النظام الوعر المتدني في كل شيء اخذت لغة السياسة في العراق منحى سيئا جديدا . لم ترتبط اغلب وجوه الطبقة السياسية اراديا واخلاقيا بمشروع الدولة العراقية . وضمنا باخلاقيات المشروع الوطني العراقي . فجاءت لغتهم السياسية تعبيرا عن هذا الانفصال المتوحش بين فكرة المغنم في المنصب السياسي وطرق التعبير « المفروضة « كرها على المسؤول السياسي . ولا اعرف ان كان الانكشاف الاستراتيجي الذي تعانيه العملية السياسية في العراق من مصلحة الشعب ومستقبله ام لا . اذ ان الاجابة عن هذا السؤال تبقى متوقفة على قدرة المجتمع الاستفادة من هذا الانكشاف لبناء الدولة وفق المعايير التي تتبناها قواه الحية الملتزمة والواعية .   ابقى هذا الانكشاف الطبقة السياسية العراقية في حدودها الحقيقية التي تعبر عنها لغتهم غير المتماسكة وغير الدالة وخطابهم الشعبوي الساذج . فلانهم محاصصون ويشعرون بفضل « الاخ الاكبر « في دخولهم البرلمان او الوزارة كما في رواية جورج اورويل 1984 فان لغتهم تبدو مختنقة بحكم هذا المضمون . ولان الوسيلة هي شاشات ملونة وعلى الهواء تطلب المزيد فان ضمورا في لغة السياسة العراقية قد وصل الى اسوا درجات الاداء في المضمون والمتجه .       لا اعرف مرة اخرى ان كانت هذه الشعبويات في مصلحة « شعبويين « يمثلون اغلبية الامة وهم مهمشون . انها خلطة ميثولوجيا الفرادة العراقية التي لا يستطيع احد التخلص من كمائنها وافخاخها . انها تسكن نسيجنا الحي .

قد يهمك أيضاً

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان