جمعة عبدالله مطلك
تتدحرج المنطقة العربية وإقليمها بسرعة مخيفة نحو مواجهة طائفية واضحة . أصبح الحديث عن الصراع « الشيعي السني « يدور بلا حذر في الكلام ولا أقواس في الكتابة . انتقل هذا الحديث من الهمس والشعور بـ « التابو « الى التبني والظهور الصريح وحتى التفاخر او الطلب في أجهزة إعلام ارتهنت لهذا المنطق ثم روجت له ببعده حقيقة واقعة .
ثم لتزيد على ذلك حتى اعتبرت هذه الحقيقة الواقعة بمثابة امتياز اخلاقي للداعين اليها . لا سبب يدعو للاعتقاد ان هذه مجرد زوبعة حرضت عليها اجهزة اعلام . وبدون الدخول في نظرية المؤامرة الاحادية فان فعلا مخططا وقصديا « هادئا وصاخبا : يجري لتحويل الصراع من عربي اسرائيلي الى عربي فارسي . ومن ثنائية التخلف والتنمية الى الشيعة والسنة . ومن الممكن اذا سار السيناريو بسلاسة ان يتم تعميمه داخل الكتل المتجانسة والطوائف وحتى العشائر عند الحاجة . في المنطقة الممتدة غربا من حدود طنجة المغربية حتى كابل في المشرق تعصف التوترات الطائفية والحروب الاهلية بالمنطقة . وباطلالة بسيطة على ادبيات الحرب الطوائفية فان سفورا في اللغة الطائفية عبر عن نفسه بعد احداث 11 ايلول بطريقة جاوزت خوف هذا الخطاب من الضمير الاسلامي او من بقايا عقلانية .
يجتاح الاعصار الطائفي المنطقة ويأخذ في طريقه الحكومات التي لعبت على وتر التناقضات الطائفية . وتبدو هذه المفارقة بدلالات يصعب تصور مآلاتها خاصة بضعف تصور القوى الصاعدة للسلطة معنى الذي يجري او ما تندفع اليه الكثير من النوايا البسيطة « او المنحرفة « .
من يتابع معارك الاخوان المسلمين المصريين والطريقة التي اداروا بها السلطة قبل سقوطهم يفجع للهدر الحاصل في تنظيمات الجماعة التي جاوز عمرها الثمانين عاما . فاذا كانت جماعة بمستوى الاخوان المسلمين تصفي خلافاتها في الاعلام دون مجالس الشورى « ان كانت حقيقية وموجودة « ثم يظهر احد مرشحيها للرئاسة ليتحدث جادا عن احد فواصله اذا نجح وهي منع البهارات في الطعام ! .
اما قبائل الغرب العراقي فانها تعلن من اعلام بغداد انها تبعث برجال وتذكر رواتبهم للقتال في سوريا . هاتان الحكايتان في مصر والعراق يمكن تعميمهما شكلا ومضمونا على الحراك السياسي والثقافي والاجتماعي في كل المنطقة .
ربما يحتاج الامر الى ثلاثين سنة اخرى او اكثر عندما ترفع السرية عن وثائق الخارجية او المخابرات في الغرب كي نعرف ما الذي جرى تماما مثل القرن المضاع الذي عشناه عند تخوم « المسألة الشرقية «.
ها هي المسألة الشرقية تعود اليوم : شعوبا بلا حكام وحكاما يسحلون في الشوارع وجيوشا تفاوض الغرب خلسة وعلنا ومثقفين يتنازعون على الزحافات والعلل وشاشات ملونة تقذف عطور باريس على وجوه من تطفح بيوتهم بمياه الصرف الصحي.
السمة الرئيسة التي لا يمكن تجنب وصفها هي سمة اللاعقلانية وغياب التفكير المسؤول في كل ما يجري .
في كرة الثلج المتدحرجة يصعب تحديد المسؤوليات بعد ان فقدت المرجعيات العامة قيمتها وتنازل العقل العربي والاسلامي عن دور المرشد والموجه والحاضن للعقلانية في السياسة والاجتماع.
كل شيء يهتز دون معرفة الاسباب ويتفجر دون امكانية معرفة النتائج لكن الثابت الوحيد ان المسألة الشرقية تكرر طبائعها بطريقة أكثر سوءاً .








