المقالات

الزمـــن الأخــــر

جمعة عبدالله مطلك

      يعيش العرب في معظم مراحل تأريخهم وجوداً مأزقياً بين زمنين . زمن مضى يحمل الحاضر تبعاته الثقيلة وآخر يستحق ارادة ورؤى جديدة لا يقدرون عليها . فقد عاشوا بين زمن عنفوان لحظة انبثاق الاسلام والخلافة الراشدة وبين تحلل الدولة الاموية فلم يستطيعوا انجاز رؤية تناسب الزمنين وصولا الى تراجيديا المجهول في الربيع العربي. والحال فقد ملأت العباسية وتوابعها بعد ذلك فراغ العجز والشلل. وفي العصر الحديث تحكمت ثنائية الاصالة والعاصرة ثم المجتمع القديم واستحقاقات الدولة الحديثة والتدين الرسمي والاصلاح الديني المستند على نص الحرية المقدس « القرآن الكريم « في حياة العرب فأسلمتهم الى وجود غريب أغرب ما فيه صعوبة وصفه وتحديد مخرجاته ورافعاته .
   منذ الحرب العالمية الأولى حتى إشهار وثائق الخارجية الاميركية على موقع ويكليكس يعيش الكيان العربي بين صدمة الذاكرة والعجز عن تخليق المستقبل . مرت الحرب الاولى وما رافقها من اتفاقيات سايكس بيكو ثم الحرب الثانية وما انتجته من حروب الايديولوجيا والثقافة حتى انبعاث موجة ما بعد الحداثة والعرب يعيشون على رعي النفط بدل رعي الاغنام والابل . صحراء بلا عقل نقدي ولا ثقافة ولا اصلاح ديني يوقظ في الشعوب جذوة الحياة والكرامة والبحث عن يقين وسعادة .
   قدمت حادثة نشر الوثائق على موقع ويكليكس تاكيدا جديدا على طبيعة وظيفة الدولة الجديدة في الحياة السياسية المعاصرة وفي العلاقات البينية للدول وتبادل المصالح . ففي الوقت الذي يتقوض فيه دور الدولة لصالح لاعبين جدد , اشخاص او منظمات او رؤوس اموال لتراقب الدولة وتضمن مصالح المجتمع لم يكتشف العرب بعد مشروع الدولة الحديثة بما هي ضامناً لحد ادنى من أساسيات ضبط الواقع الاجتماعي وتوجيهه . وبمثال بسيط من داخل « غزوة « ويكليكس فلو كان هذا الرجل « او الموقع « انتقائيا في نشر ما يريد من الوثائق التي حصل عليها فما هو الضامن الا تكون الوثائق المخفية الاكثر تعبيرا عن الحقائق التي اراد اظهارها اصحاب الموقع او الشخص المعني نفسه . في كل دول العالم تقريبا يكون الضامن هو مؤسسات الدولة غير المرتبطة بنوع السلطة وشكلها . وحتى في تركيا وعندما طالت هذه الوثائق اتهامات للسيد اردوغان تعهد الاخير بالاستقالة في حال ثبوت ذلك .

قد يهمك أيضاً

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان