المقالات

الاتجاهات المستقبلية للاقتصاد العراقي

د. نوفل الحسن

قبل أسابيع صوّت العراقيون للاتجاه الذي سيسيّر سياسة البلد العامة ويوجه مساراتها الاقتصادية بما يؤمل انعكاسها على تحسين مستوى حياة العراقيين اليومية ومستقبل أبنائهم. ويمكن للمتخصصين إعادة قراءة معظم القضايا السياسية العالقة والعقدية من منظور اقتصادي كأداة للحل أو لفهم صعوبتها وتعقيدها على الأقل، فرغم توارث الكثير من الأزمات والمشاكل التي أثرت على بنية الاقتصاد العراقي وهويته وفاعليته, الا انه لا يمكن النظر للعراق بتركيبته السكانية الحالية التي تجاوزت الـ 35 مليوناً (بحسب تقديرات وزارة التخطيط) وموازنة تقترب من 150 مليار دولار بشكل مشابه للعراق قبل 2003.
وقد قسم بعض الباحثين الاقتصاد العراقي الى مرحلتين وفقا لحجم مساهمة الواردات النفطية فيه، حيث امتدت المرحلة الاولى منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في عشرينيات القرن الماضي لغاية سنة 1953 التي تميزت بتنوع موارد الاقتصاد رغم صغر حجمها، فيما مثلت المرحلة التي تلتها اعتمادا كبيرا ومتزايدا على الصادرات النفطية.
ومن المؤكد أن زيادة معدلات الانتاج النفطي المتوقعة خلال السنوات المقبلة ستشكل فرصة مهمة لاعادة توجيه بوصلة الاقتصاد العراقي، كما ستشكل تحديا كبيرا في الوقت نفسه. وستكون عملية إدارة الأموال الضخمة التي قد تصل الى 5 ترليون دولار خلال العقدين المقبلين – بحسب توقعات منظمة الطاقة العالمية – مهمة شاقة وتتطلب تحديثاً للمنظومة المالية والادارية وتغييرا نوعيا للاطر القانونية بالاضافة الى تأهيل أجيال جديدة من الكوادر القادرة على ادراك متطلبات ومستحقات بروز العراق كقوة اقليمية وكلاعب اقتصادي صاعد في أسواق الطاقة العالمية.
 إن عملية بناء ديمقراطية ناشئة على أنقاض هياكل اقتصاد استنزفته عقود من الحروب والدكتاتوريات والتدخل التفصيلي للدولة في أدق مكوّناته ليست عملية سهلة, كما إن التحديات الأخرى كغياب التوافقات السياسية الداعمة لبرنامج حكومي جريء للاصلاح وفق رؤية واضحة وخريطة طريق واقعية تستجيب للمتطلبات الاستراتيجية ستشكل عائقاً رئيسياً أمام الانتقال الى مرحلة تركيز الاتجاه الاقتصادي، وبالتالي سيواجه الاقتصاد العراقي خلال السنوات المقبلة مجموعة من السيناريوهات ترتبط بشكل وبآخر بالوضع السياسي والأمني بالاضافة الى الأبعاد الاجتماعية والثقافية والديموغرافية.
ربما سيكون سيناريو الاستمرار بالمعالجات الاقتصادية التقليدية المركزة على سياسات إطفاء الحرائق أكثر السيناريوهات المحتملة بنظر البعض في ظل حدة الاستقطابات السياسية وزيادة تسييس القضايا الفنية، فيما يتصور آخرون أن هذا السيناريو رغم تواضعه يحتوي على قدر من المعالجات الإيجابية التي تفي ولو بجزء من الغرض الآني وربما المستقبلي في حال تراكمها وتوجيهها صوب أهداف ستراتيجية واضحة. وعلى أية حال, سيكون من غير المقبول التسليم  بهذا السيناريو عند النظر- ستراتيجيا- لمكامن قوة العراق كدولة, وارتكاز اقتصاده – حاليا وفي المستقبل القريب على الاقل- بشكل شبه مطلق على العائدات النفطية. وستبرز هنا ثلاثة عوامل تتغير جميعها بشكل غير مسبوق وهي: عامل دولي متعلق بالتغيرات المتوقعة في مصادر وأسعار وحجوم الطلب العالمي على النفط , وعامل آخر إقليمي مرتبط بحالة إعادة تشكيل مراكز القوى والخرائط في المنطقة. أما العامل الثالث فهو محلي تنتجه طبيعة التغييرات الديموغرافية والاجتماعية في العراق.

قد يهمك أيضاً

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان