علاء البغدادي
إن من أهم أعراض الإستلاب، هو أن يُصاب الفرد بالعجز عن المبادرة، بسبب جلده لذاته وتذويبها في بوتقة بعض المفاهيم الخاطئة، وهذا ما يُنتج الإنقياد الأعمى، وهو مؤشّر خطر جداً لفقدان القدرة الذاتيّة على ممارسة الفعل الإنساني/ الفِطري، التوّاق للحصول على الحقوق الطبيعيّة التي تُحقّق مفهوم الخلافة على الأرض.
ومن هنا فإنّ الاستلاب يعمل على تقويض حركة الوعي لدى الفرد، وإجباره على لعب دور المُتفرّج لكلّ ما يدور حوله، وهذا من أكبر الأسباب التي أدّت إلى إفشال التجارب الإصلاحيّة الساعية لتحرير الناس من قيود الخضوع والسلبيّة. فلا يُمكن أن يكون الشعب المُستَلَب شعباً مُبدعاً وفاعلاً، حتى لو كان يمتلك الظروف الموضوعيّة التي تُهيّئ له مناخات الإبداع والفاعليّة والتقدُّم.
ولو تصفّحنا أوراق مجمل التأريخ البشري، لرأينا المجتمعات التي قدّمت ظهورها لتجلدها سياط الإستلاب، بقيت عاجزة عن تقرير مصائرها في مختلف مجالات الحياة، بل وتراجعت أكثر وأكثر، لتكون في ذيل القاموس الحضاري للبشر.
من يتابع الراهن العراقي، يرى وبوضوح بأننا أسرى لاستلاب فاضح وغير مبرّر، وقد يختلف هذا الإستلاب من شريحةٍ إجتماعيّة إلى أخرى، فتارةً يكون بسبب العصبيّات المذهبيّة والقوميّة، وتارةً أخرى بسبب الإستسلام الكلّي للولاءات السياسيّة الفجّة وتغليبها على العناوين الرئيسيّة الكبرى، وبالتالي فإن المحرّك الذي يُحرّك الوعي الجمعي فينا، هو خارج عن فاعليّاتنا الذاتيّة، وهذا ما يُفسّر النكوص والخراب الذي نعيشه اليوم.
قد نكون في العراق من أكثر شعوب الأرض امتلاكاً لخاصيّة الانسجام مع الضيم والقبول به كمادةٍ حياتيّة أساسيّة، وقد يرى البعض في هذا وجهاً إيجابيّاً وهو القدرة على تحمُّل ما لا يُطيقه الآخرن، أقلّه أننا نرى بعض قمامات السياسة وهم يقضمون ما تبقى لنا من دولة وحياة، لكن الوجه الآخر لا يخلو من سلبيّة قاتلة، فالقبول بالضيم الذي يُمارسه الظالمون والمفسدون والقتلة ضدّنا، هو دليل على الضعف والعجز والإنهزاميّة، بل وهو تنصُّل عن أداء رسالتنا الإنسانيّة التي حملناها بعد أن عجزت الجبال عن ذلك.
ما أُريد الإنتهاء إليه، هو أن إنزواءنا كمجتمعٍ عن كل الخراب الذي نعيشه، يؤكّد أننا عاملاً مساعداً في وجوده، وإن الإكتفاء بتصويب سِهام النقد ضدّ الساسة فقط، يجعلنا نشاركهم التقصير الكبير الذي يقترفونه بحقّنا، بل لعلّه ما يُحَفّزهم على ذلك. وإلاّ ماذا نُسمّي هذا الصّمت الغريب على انتهاكات الكثير من السّاسة والقادة، وهم يسيئون إلى كلّ ما يتعلّق بحياتنا؟
علينا أن نتعافى من أمراض الخنوع والإستكانة، حتى لا تتسع جِراحنا أكثر، لأنَّ كلماتنا ما عادت تُفضي إلى مداليل قادرة على فكّ رموز طلاسم مأساتنا، وعلينا أن نرفض العيش في زمن الموت المجاني، لأن موتنا من صنوٍ خاص، فهو لا يقودنا إلى النوم أبداً، فدائما ما نموت من دون أشلاء. علينا أن نُمارس وَعينا حتى لا تتحوّل حياتنا إلى مقبرة كبرى.








