المقالات

مسجد « كأني أكلت»

صباح زنكنة

                           في حوار طويل دار بيني وبين احد السفراء العرب عن  واقع الانسان العربي والمسلمين عامة وما آلت اليه احوالهم والمصائب التي عصفت بهم ، انحدر بنا سيل الحديث  طويلا حتى توقفنا عند محطة العراق عندها تنهد هذا السفير بحسرة والم وقال ما يعصر القلب ويدمي العين ان السياسي العراقي لا يعرف حجمة وحجم هذه البلاد العظيمة التي  حباها الله بكل نعمة الا نعمة المخلصين من سياسييها فلو كثروا لأنتهى بالعراق  الى مصاف الدول المتقدمة ، ولما كان هناك الاستحواذ والاستثراء السياسي وفي مقابله فقر وحرمان وطبقية  هزت ضمير العالم.
ثم تحدث عن امرأة سودانية ظهرت عبر احدى الفضائيات وتكلمت عن قصة غريبة وهي ان رجلا تركيا ورعا كان لديه عائلة كبيرة يحرص على اعالتها بافضل صورة وحمّل نفسة اعباء الحرمان  والتقشف لينعموا برخاء في المستقبل، فكلما كان يشتهي فاكهة او طعاما او شرابا طيبا ويهم الى الشراء يتوقف ويقول «كأني اكلت» ثم يلقي بالنقود في خزانة بداره ويعيد العبارة « كأني اكلت « وبقي على هذه الحالة طوال حياته حتى فارق الحياة وزوجته لا تعلم بالخزينة الموجودة في الدار الا قبل وفاة زوجها بلحظات حيث كشف لها الحقيقة ، وعندما فتحت الخزينة وجدت مالا كبيرا جمعه هذا الرجل طوال حياته فأكبروا فيه هذه الروحية الكبيرة فقررت زوجته ان تبني له مسجدا  واعانها الناس بالامر فسمي المسجد بمسجد (كأني اكلت) اكراما لصاحب القصة.
ثم قالت المرأة السوادنية « والكلام للسفير: لماذا لا نستفيد من طريقة هذا الرجل التركي ونحن نفتقر في السودان الى المناهج المدرسية والحال هناك طالب يمتلك كتابا واخر يفتقر اليه ، لماذا لا يقرأ  احدهم والآخر ينتظر دوره لاستعارة الكتاب قبل ان يفكر في الشراء ويقول « كاني اشتريت « ؟!
يقول السفير لو ان السياسي فكر ان يتقشف قليلا ويقلل من الامتيازات لاصبحوا قدوة ولما غفل عنهم التاريخ ..
في الواقع حكمة هذا السفير ادهشني وبخاصة انه كان ملهوفا لأن يجمع السفراء وينزلوا الى الشارع ويحتكوا بالمواطنين العراقيين ويزرعوا في قلوبهم  الامل ومد يد العون وسط كوابيس الخوف والرعب المجاني  لولا ان هناك محددات تحول دون  تحقيق هذه الخطوة ..
صعقت كثيرا وندبت حظى ان غريبا واعيا يهتم ببلدي وسياسي هو ابن بلدي يهم بهدمه وبيعه بابخس الاثمان وفرش ارضه بالسجاد الاحمر للجرذان والذباحين وخفافيش اللعنة ليعلنوا امارة الخوف ويدفنوا احلامنا الوردي الى الابد، والسياسيون يقبعون في حصون آمنة تاركين المواطن وراء الاسوار تلتهمهم النيران وتتكسر طموحاته عند حصونهم الكونكريتية ويتركوا آخر بصمة كف مدمية كبصمة الاضحيات على اعتاب المقدسات !!
غريب.. يمتلك السياسي ما ينبغي على المواطن امتلاكه ويفتقر المواطن  الى ما استوذ عليه السياسي باسمه !، معادلة لا ترضى رب السماء وهو القائل «إعدلوا».
مؤلم ان تدمع عين غريب على بلدك وتتصلب عيونك وانت تردد «بلادي وان جارت علي عزيزة «!! .. ومؤلم ان لا نجد سياسيّا يجود بجزء من ماله الى المواطن ويقول « كاني اكلت « !!.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان