علاء البغدادي
إن المبدعين في مختلف الميادين والمجالات التي يتشغلون عليها، يشكّلون الأقدام المسرعة للشعوب نحو التقدُّم والنهوض، وهم أيضاً البوصلة التي ينبغي أن تتوجّه إليها رجالات الدولة للإفادة من إبداعاتهم وطاقاتهم، بل وينبغي عليها أن تضعهم في المكانة الأرقى من قائمة اهتماماتها، لذا نجد الدول المتحضّرة تتنافس في ما بينها وتبالغ بالإهتمام والرعاية بالمبدعين والمثقفين، باعتبارهم من أهم الرّموز التي يمكن أن تتفاخر بها، لأنّهم الطاقات التي يتمُّ تسخيرها لخدمة الشعوب والبلدان.
ومن الأمور التي باتت واضحة وجليّة، هو أن المثقف والمبدع أصبح هو المالك الحقيقي لزمام المبادرة في مختلف المجالات الحياتيَّة للشعوب، حيث أصبح المبدع هو المشعل الوضّاء الذين يضيء الدرب للمجتمعات لتسير قُدماً في سبيل حضارتها ونموِّها الإقتصاديّ والمعرفيّ، وهو صاحب الإسهامات الجليلة في البناء الثقافيّ وتنقية مداركهم ووعيهم.
ونحن في العراق، قد نكون من أغنى بلدان العالم مالاً وعلماً، من حيث وجود الثروات الطبيعيّة والعلميّة، إلاّ أننا وفي نفس الآن، من أكثر الشعوب فقراً وعوزاً، على المستوى الإقتصادي، ونكوصاً وتخلّفاً على المستوى العلمي والإبداعي، لأننا أُبتلينا بطبقةٍ سياسيّة نَزِقة، لا تجيد غير الخراب والتقهقر والنّكوص، لأنها تنكّرت وتجاهلت هذه الثروات الكبيرة الموجودة في العراق في أغلب الأحيان، أو تسعى لتجييرها لمصالحها السياسيّة الرّخيصة، وهذه واحدة من أشدّ حالات التخلّف في مسيرة الشعوب، وهي أن يكون المثقف والمبدع طيّعاً بيد السياسي أو تابعاً له.
أكتب هذا الاستهلال، بمثابة النعي المُبكّر، لواحدٍ من أهمّ قامات العراق الإعلاميّة، ألا وهو الإعلاميّ الكبير والصحفي والأديب القدير (ناظم السّعود)، الذي يعاني الكثير من الأمراض منذ عدّة سنوات، ولم تلتفت له الحكومة البائسة، بكل مؤسساتها.
لقد كتب (ناظم السّعود) مع بداية تفاقم أزمته الصحيّة، استقالته من الحياة العامة… نعم، كتب (استقالة من الحياة العامّة)، وهذا نَصُّها:
(بعد ثلاثين عاماً من التجارب والمعاناة والحرث في البحر، قرَّرت أنا ناظم السّعود, أن أتقدّم باستقالة – غير قابلة للنقض – من الحياة التي تغصَّصتُ بها حتى وجدت نفسي صريع المرض والحاجة والوحدة، والكل صاغرون وشامتون, ويشمل هذا القرار الاعتذار من العناوين الآتية: «تجمُّع فقراء بلا حدود الثقافي، اتحاد الصحفيين العراقيين، منظمة أين حقي؟ المجلس الثقافي العراقي، رابطة الرافدين لحقوق الإنسان»، الصحافة الثقافية بكل دسائسها وصورها.
كما يشمل القرار أعلاه، أيّة عناوين وضعتني في كراريسها وإعلاناتها، سواء بعلمي أو من دون استشارتي. أرجو من الجميع احترام قراري هذا، وليتركوني أخرج منها بسلام).
إن كلمات (ناظم السّعود) هذه، تُشعرنا بالخزي والعار والوحشيّة التي نُمارسها مع بعضنا، وأيضاً تؤكّد لنا مدى التسافل الذي وصلت إليه الحكومة وهي تُمارس أبشع حالات التنكيل والإستخفاف بحياة وكرامة المبدع العراقي، بينما تخوض الحروب والصراعات من أجل مصلحة رجالاتها.
نعم، سيرحل (ناظم السّعود)، غير مأسوف عليه، لكن آهاته ومرارته طوال هذه السِّنين، ستبقى بمثابة البُصاق في وجه الساسة، وأيضاً سيترك لنا نحن من خذله، علامة استفهام بحجم الكون، مفادها: أيّة جرأة عندكم وأنتم تنظرون إليّ أموت ببطء؟!!








