رانية نجيمة
كنتُ في قمّة حزني وألمي… اعتزلتُ رُكناً قصيّاً وطفقت العبرات تنهمر من عيني غزيرة، رفعتُ صوتي أنيناً فنحيباً، وحين انتبهت إلى أني وحيدة في مكاني أطلقت العنان للعويل.. البُكاء بكلِّ مستوياته دعم مِن الجسد لروحه الجريحة، البكاء نزف الروح ذاته، لكنّ لشدّ ما ضايقني صوتُ الكناريّ الأصفر حبيسِ القفص، لا أعرف أيُّ لعنة أصابته فجعلته يقلِّد طبقات صوتيَ النائح صعوداً ونزولاً ويستبدله بالشَدو والغناء ؟.
كانت تغاريده تتراقص وصوتي المغتاظ الثائر، لكأنها زورق يتمايل وتمايل الأمواج….كففت دموعي توجهت نحوه، فتحت له باب القفص، وصحت فيه:
اخرُج أيها العصفور الثقيل، فلا حاجة لنا بمن يغني و يرقص على قرع جراحنا و مآسينا !
ولكن ماذا أرى؟ لم يتحرّك الطُوَيِّر قيد أنمله، إنه يرفض المغادرة !.
قلت: ألاّ ترغب في الانطلاق نحو السَّماء؟ ألست تُحب معانقة الحرية؟
قال: أنا هنا حرّ !
قلت: و لكنك في قفص، و لا حرية بين قضبان الحديد !.
قال: لا وجود للقضبان إلا في العقول العاجزة عن التحليق..!.
لم أصدّق نفسي وقلت:
إني أحلم بكل تأكيد! فلطالما قيل لنا إن العصافير تعشق الحرية، هل كنا ضحية زيف و خداع؟!.
ردّ العصفور في ثقة:
لا أعرف مقدار ما تعرّض له بنو جنسك من تغرير، و لكني أعلم أنكم تجهلون كُنه الأشياء و تتباهَون بمعرفة قُشورها، وكان الأمر ليكون هيِّنا لو أنكم آمنتم بهذا، لكنّ كل واحد منكم مقتنع بأنه صاحب اليقين المطلق، لهذا تُراق عندكم الدماء وتستباح الحيوات، و تُستعمر الأراضي ويُغتصب أهلها وتصادر الفكرة والكلمة… لأن المُريق والمُستبيح و المُستعمر والمُغتصب ومُصادر الفكرة والكلمة، آمن بأنه امتلك الحقيقة، ولكنه في الواقع لم يمتلك إلا القوة؛ فالحقيقة إذن في عالمكم مجرد مرادف للقوة، في ناموسِكم البَشريّ يكفي أن تكون ضعيفا لتصبح في نظر الكلِّ ساذجاً وأحمقا!.
رفع العصفور بصره نحو السماء وأردف:
أعرف أنّ للحرية ثمنا وضريبة قد لا يقدر عليه عصفور ضئيل مثلي، كما أعلم أيضاً أنّ في الخارج رياحاً قوية كفيلة بأن تُكسِّر جناحيّ الضعيفين، و كواسراً تتحيّن الفرص لتمزقني، والكثير الكثير من العصافير الجوعى.. هي الآن تتمسّح بجوانب قفصي لتحظى ببضع حبوبٍ ألقيها لها حين أشبع، و إذا خرجتُ إليها، وصرتُ واحدا منها، لم ترحمني، ولكني مع كل هذا لا أتوقف عن الحلم، إني وإن كنتُ أقيم بين قضبان مِن حديد، فإني أعرف أنّ لسجني بابا أراه، لكنك وبني جلدتك لا تكادون ترون أبوابا لزَنازينِكم.. بل لعلّ عيونَكم عاجزة حتى عن إبصار القضبان والحيطان التي تحيطكم مِن كل الجوانب. صَمت العصفور مطرقا في تفكيره، ونطقتُ أنا:غريب أمرك يا عصفوري ! إنك لست قويا ومع ذلك فإنه لا حقيقة إلا حقيقتك ولا حكمة تعلو على حكمتك ولا فكرة أعمق من فكرتك !.








