منال إميل منذر
رغم كلّ ما شهدتْه بلادنا، بلاد الحضارات والحرف والنّور عبر تاريخها من نزاعات وهجمات، إلا أنّها اليوم تتعرّض لأخطر أنواع الإستعمار المتمثّل بالإجتياح الغربيّ لها، فكريّاً، ثقافيّاً، ووجوديّاً، وكأنّه هناك محاولة لطمس هويّتها وانتمائها ولغتها، والقسم الأكبر منّا ينجرف في هذا التيّار عن قصد أو عن غير قصد.
في بيوتنا تلفاز، في بيوتنا حاسوب، وفي بيوتنا أطفال..
بقدر ما يستطيع العنصران الأوّلان أن يفتحا آفاقاً أمام الأطفال، بقدر ما يستطيعان أيضاً تشويه أفكارهم وحشو أدمغتهم بأفكار الغرب، لأنّهما الوسيلة الأسرع للوصول إليهم، والأبرز لانفتاح الثّقافات على بعضها، ومن هنا أهمّيتهما في بناء الأسرة والمجتمع، ومع الأسف فإنّ كثيراً من وسائل الإعلام العربيّة اليوم تُساهم إلى حدّ كبير في تلك الهجمة الغربيّة، من خلال ترويجها للصّورة الأجمل والأمثل عن الغرب دون الإضاءة على السّلبيّات، وبثّ برامج ومسلسلات غربيّة دون دراسة نتائجها السلبيّة على مجتمعنا وغير ذلك، وكأنّ الإعلام بذلك يُنشئ شباباً عربيّاً متقمّصاً لشخصيّة الغرب، مُقلّداً فقط، غير مُبتكِر، وهنا الخطورة إذ أنّ ليس كلّ ما يصحّ في الغرب يصحّ في بلادنا، فلكلّ بلاد ثقافتها الخاصّة.
أنا أعيش في الغرب وألاحظ ما آل إليه مجتمعهم من تفكّك أُسَريّ وتفلّت أخلاقيّ، بسبب إهمالهم للواجبات، تحت مسمّيات الحريّة والحقوق الفرديّة، فهنا نجد أمّهات مراهقات عزباوات، أولاداً مجهولي هويّة الأب مشرّدين متسوّلين، تصبح تجمّعاتهم بُؤراً لترويج المخدّرات والجرائم والشّذوذ الجنسيّ، وغيرها الكثير من المشاكل.
نعم الغرب تطوّر صناعيّاً وعلميّاً وتكنولوجيّاً، لكنه فشل اجتماعيّاً، وما أخشاه أنّنا في بلادنا نحاول العبور إلى الحريّة من حيث فشلوا هم، وأن نُمسك التمدّن من مظاهره ظنّاً منّا أنّه التطوّر، ونتمثّل بالقشور المُزيّفة للإنفتاح ظنّاً منّا أنّها الحريّة، وحينها يُصيبنا الإنحدار الإجتماعيّ، وكأنّه لا يكفينا انحدارات في النّواحي الأخرى!.
وهنا لا بدّ من الإشارة أيضاً إلى خطر الإنترنت، الذي وبرغم كلّ إيجابيّاته، يُشكّل خطراً كبيراً على أبنائنا في حال لم يُراقَبوا ويُوعّوا من قبل الأهل والتّربويّين، فالإنترنت يُمكنه أن يصبّ في أدمغة أطفالنا السيّء والجيّد، وهنا دورنا لنكون المصفاة التي تقيهم شرور خطره.
ألإنفتاح لا يعني نسف كلّ ما هو قديم، والتطوّر لا يعني هدم كلّ الموروثات، فرغم تطوّر نظريّات الرّياضيّات مثلاً، لا زالت قاعدة واحد زائد واحد يساوي اثنيْن – رغم قِدمها – ركيزة أساسيّة يُبنَى عليها تطوير تلك النّظريّات.. في مجتمعنا قيم، يجب أن تكون نواة تطوّرنا، على أمل أن تعود بلادنا نوراً يشعّ علماً وثقافة وحضارة.








