المقالات

البحث عن رئيس

جمعة عبدالله مطلك

 

 في لفتة نادرة وجه الملك فيصل مذكرة نشرها بعد ذلك عبد الرحمن البزاز في كتاب عن تاريخ العراق الحديث. تحدث الملك فيصل عن « شعوب عراقية « تستعصي عن الانتظام في أمة. وتحدث الملك عن هذه الأغلبية «غير المندمجة» وضرورة اندماجها حتى يتشكل وعي وطني غير محاصر بالاغتراب وضعف الاحساس بالمواطنة الذي يهتك النسيج الحي للدولة .

        طبعا جرت مياه كثيرة بعد هذه اللفتة الفريدة ولم يكن الملك نفسه يعلم ان وجوده في السلطة هو أحد عوامل الاغتراب وضعف تكوين الامة. فقد عاثت الجمهوريات « ثورية « في الارض بأن الغت أسس الشرعية القانونية للوجود السياسي . ومن طبيعة هذا الالغاء ان يزحف على المضمون الاخلاقي لهذا الوجود الذي تم افتراسه والقضاء عليه نهائياً وبكفاءة نادرة ايام النظام الديكتاتوري الساقط . ان ملخص النظرة العراقية الى السلطة يحتويها مصطلح الغنيمة . هذا المبدا يبدو قاراً وكامناً رغم عشرات الجامعات وآلاف الخريجين وأضوية الشاشات الملونة والمطارات .. الخ . وما دام الامر كذلك فلا يمكن ربط الامة بالدولة وعلى العكس من ذلك تنتحر الثقافة العراقية بضعف استدلالها على الامة وركونها المصلحي الهزيل ازاء مكاسب السلطة وفتات الدولة . وتبدو الخارطة في هذه الحال صعبة القراءة الا لمن ادمن منطق الغنيمة وعرف دروبها . لكن شيئاً طريفاً قد حدث في الفترة الاخيرة اذ فرض الايقاع العراقي نفسه على مراكز البحوث الغربية لدراسة أي المؤثرات اكثر حسما في صياغة النظام السياسي للمجتمعات . ورغم طرح هذا السؤال باستمرار الا انه اكتسب صبغة عراقية بعد السقوط السهل والغريب للدولة القديمة والصعوبات « الهائلة « في اقامة الدولة الجديدة . تذهب النظرية الاولى الى ان الثقافة وليست السياسة هي العامل الاكثر حسما في تحديد مصائر المجتمعات والدول بما فيها شكل النظام السياسي ومضمونه. وتذهب النظرية الثانية الى ان السياسة قادرة على تكييف الثقافة وحتى سد المنافذ أمام أي تأثير ضار قد ينتج عن ثقافات ليست منتجة او ضارة . واعتقد ان كلا المنظورين يصلحان من الناحية النظرية على الاقل في دراسة الحال العراقية . والاقدر من كل ذلك هو المزج « الخلاق « الذي يتطلب شرطاً أساسياً في المرحلة العراقية المتحولة. لن يتعدى هذا الشرط تماسكاً في النخبة السياسية وردماً للانقسام الرأسي « العمودي « في بنيانها .

         ان الانقسام العمودي في النخبة السياسية يفرز تصدعات على موضوعات معيارية «ماهوية» لا يمكن حسمها في ظل الظروف الدولية والاقليمية الحالية. وأمثال هذه الموضوعات وشكل ومضمون الدولة وعلاقاتها بالاقليم وتمثلاتها الرمزية . اما الانقسام الافقي فيتجه نحو مشكلات «اكثر تواضعا» تتمثل بالخدمة والضرائب والموقف من الخصخصة والتعليم وغيرها. فاذا تماسكت النخبة السياسية في انقسام أفقي مطلوب فإن تحولاً في تأريخ العراق وصعوباته يبدو ممكناً . اما الانقسامات العمودية التي يغذيها الاقليم فلن تنتج سوى تكدير مشاعر العراقيين في انتظار مرهق وطويل كي يستريحوا في مشوار انتظاراً لانقسام آخر أو ربما محتل جديد يعيد توزيع الادوار والدول والثروة وحتى اللغة العربية نفسها.

قد يهمك أيضاً

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان