إيران العنيدة.. دروس من حرب الثمان سنوات إلى حروب اليوم
في أيلول عام 1980، اندلعت واحدة من أطول وأعنف الحروب في تاريخ الشرق الأوسط، حين شن النظام العراقي بقيادة صدام حسين هجومًا شاملًا على إيران، ظنًا أن نظام الثورة الإسلامية الوليد هشٌ لا يصمد أمام الجيوش الجرارة. كانت القدرات العسكرية الإيرانية آنذاك في أدنى مستوياتها؛ فبعد الثورة تم اقصاء او تصفية بعض قادة الجيش السابقين من الصف الأول من كان ولاءه للشاه ، والمعدات تحتاج صيانة وقطع غيار أوقفتها العقوبات، ولم تكن لدى إيران منظومة قيادة واضحة في الحرب.
رغم هذا، استمرت طهران في القتال بلا تراجع. اعتمدت على حشد شعبي عقائدي، وعلى مبدأ “الدفاع المقدس” الذي رفعه الإمام الخميني، وتحولت تدريجيًا من حالة الدفاع إلى الهجوم، فحررت أراضيها، بل وتقدمت داخل الأراضي العراقية. هذا الصمود، في مواجهة دعم خليجي مالي ضخم لبغداد، وتسليح أمريكي وسوفيتي، شكّل ملامح مدرسة إيرانية جديدة في الحرب: الصبر، الاستنزاف، والحرب الطويلة النفس.
اليوم، وبعد عقود، تغير وجه إيران، لكنها احتفظت بروح العناد ذاته. تمتلك الآن منظومات صاروخية متقدمة، شبكة حلفاء إقليميين، ذراعًا استخباراتية واسعة، وقدرة على المناورة في مختلف الجبهات، من لبنان إلى اليمن. ومع كل أزمة أو تهديد، تثبت إيران أنها لا تتحرك بردود فعل عاطفية، بل بحسابات باردة تُراعي الكلفة والفرصة، مستفيدة من تجربة حرب الثمان سنوات كمرجعية دائمة.
ليست إيران قوة تقليدية، لكنها قوة تعرف كيف تبقى واقفة رغم الحصار والضربات. وهذا هو سرها: عناد لا يُقهر، وعقل يُخطط بعيدًا عن الضجيج.
سلام المالكي
كاتب وإعلامي









