المقالات

عبد الكريم قاسم في يومه الأخير

 

عبد الكريم قاسم في يومه الأخير

 

 د. عقيل الناصري

 

لقد انصرمت السنون منذ أن غاب عنا هذا الانسان، وهدأت نسبيا عاصفة الحقد لأسود تجاهه، ومرت من بعده، ولا تزال، بالوطن تجارب أليمة عديدة، ذكرنا بها قبيل استشهاده عندما قال:( ان التاريخ سيخلد اسمي، انني قاومت الاستعمار، وانني بنيت للفقراء الف دار خلال عمر الثورة، وانني ذاهب ولكن لا ادري ماذا سيحصل بعدي) فعلا، ذهب وحصل الدمار الشامل ولا يزال وبعمق اكبر، للذات العراقية الفردية والجمعية، ولمكوناتها الاجتماعية وللوطن وبنائه الجيو- سياسي، من قبل ذات القوى التي اغتالته وطبيعة مفردات مشروعه، كذلك عملت، وما تزال على اخماد جذوة المعرفة والشرارة التي اوقدها لطريق العراق اللاحق. لكن ومهما حاولوا، بقي هذا الرجل ولا يزال، يسكن ضمائر ووجدان اغلبية واسعة من العراقيين والشعوب المجاورة، خاصة الفئات الاجتماعية الفقيرة والكادحة التي مثلت العصب المركزي في مشروعه البنائي. اذ حاول بكل استطاعته ومقدرته، في الزمن الوجيز الذي كان له، الرقي بها الى مستويات حضارية اعلى، بكل معنى الكلمة. وهي في الوقت ذاته بادلته الشعور ذاته، حيث رفعته الى  مصاف الاسطورة، خارج تخوم الزمان والمكان، وخرجت (تناطح السماء بايديها العارية) صباح الثامن من شباط دفاعا عنه، وعن ذاتها ازاء (زحف الجراد على زنابق الحدائق وطلع النخيل). يختلف العراقيون في الموقف من الفقيد عبد الكريم قاسم وفي تقييمهم لطبيعة نظامه وعلاقته بالديمقراطية والحياة الحزبية وفي مسؤوليته عن تراجع ثورة 14 تموز وانتكاستها. غير ان هذا الخلاف يتلاشى تقريبا ويكاد الجميع، بمن فيهم خصوم قاسم، يتفقون – والعراقيون نادرا ما يتفقون على تقييم اخلاص الرجل لقضية وطنه، ونزاهته وعفة يده وانسجامه في سلوكه وعمله مع قناعته وما كان يؤمن به، خصوصا حينما يقارن بالاخرين من حكام العراق المعاصرين.

ولا يجادل احد في انه كان الاقرب من بين جميع هؤلاء الحكام الى قلوب الفقراء والجماهير الشعبية الكادحة، التي لم تتردد عن نسج الاساطير حوله بعد اغتياله في 9 شباط 1963.

 وربما من هذا الحب وبسببه يأتي انتقاد فقراء العراق وناسهم الطيبين لقاسم ويجيء عتبهم عليه محملا بالحرقة والمرارة والنقد اللاذع. وهو الذي توسد افئدتها بعد ان منعت قوى الظلم والحقد من الحكومات اللاحقة، التي جاءت محمولة بالقطار الاجنبي، من ان يتوسد جثمانه الارض التي انجبته، لكنهم: ( حين القوة في النهر، كي لا يصير رمزا لم يكونوا يدركون لسذاجتهم، انهم صنعوا رمزا ابديا، وان المخيلة العراقية منذ اقدم العصور تربط بين الزعيم المنقذ وبين الانهار المقدسة، وان اكثر حالات الانتظار قداسة عند العراقيين تلك التي تتم عند حافات الانهار.. وغياب جثة القائد في الاساطير والحكايات العراقية يجعلها حاضرة ابداً، ويخلق فكرة الانتظار المثمرة والامل الايجابي بالعودة ويحولها الى رمز).

يرصد في الاونة الاخيرة ظهور كتب ومذكرات ودراسات، لشخصيات سياسية وباحثين ومن الضباط الاحرار، الذين سبق ان شاركوا في المحاولات الانقلابية ضد عبد الكريم قاسم، او سبق ان وقفوا منه سلبيا كذات ومن الثورة كموضوع، وحملوا عليه او عليها طوال السنين السالفة، وهاهم الان يعيدون تركيب وترتيب تصوراتهم عنه، محللين معادلة الصراع معه، مقارنة بالفترة الماضية، بشيء من الموضوعية وقليل من المنطق وعلى اسس اكثر عقلانية واكثر هدوءا، تذكر احداث تلك الفترة وقراءتها، بقلوب اقل تشنجا ورؤى اكثر صفاء وبموضوعية بعيدة جزئيا عن الاطر الضيقة: حزبية كانت ام نفعية: اسرية او عشائرية: طائفية او مذهبية: قوماتية ام مناطقية او غيرها من الدوافع.

لقد اخذت قلة نادرة منهم تعيد للرجل مكانته، او بعضا منها، وهم الذين سبق ان اسهموا بمحاربته، بكل قواهم وكل حسب تخصصه ومجاله وبشتى السبل والطرائق.. ترى هل هي صحوة الضمير التائب والتأنيب الذاتي؟! ام هي الاخفاق في تحقيق الشعارات الطوباوية الخالية من مقومات الوجود، التي استندوا اليها في صراعهم ضد عبد الكريم قاسم من اجل السلطة، لذات السلطة، بعد تسلمهم اياها من قبلهم مباشرة او من حلفائهم؟ او انهم كانوا اسرى اوهام المشاريع اللفظية الكبيرة الخالية من مقومات التحقيق الموضوعي؟ او من مدى عمق الاغتراب والدمار الذي بلعه تفكيك الدولة والمجتمع بعد قتلهم لقاسم؟ ربما في تفكيك الروابط القومية حتى في ابسط اشكال تحققها وهم كانوا من دعاتها اللفظيين؟ او من تفاقم ظاهرة القمع والاستبداد والاستلاب الذي مارسوه، منذ رحيل سلطة تموز/ قاسم، وما يزال خلفاؤهم يمارسونها

بشمولية قل  نظيرها في العالم المعاصر؟ والتي كان من مظاهرها:

– التضحية بالمصالح الوطنية والقومية للمصالح الانانية الضيقة.

– شيوع الخراب بالمفهوم الشامل، وتعمق انتشار ثقافة العنف.

– تهديم الاسس المادية للهوية الوطنية.

حتى انهم يتركوا (فرصة للمقارنة بينهم وبين قاسم، لقد سخر مناوئو قاسم بالامس من حلم قاسم ومن شعاره المرفوع عفا الله عما سلف. اعتقادا منهم بأن العفو والرحمة دليل ضعف، ولطالما عدّوه ساذجا لما عرف عنه من قلب رحيم شمل الجميع برعايته.. يعود هؤلاء اليوم للترحم عليه، بعد ان عاد اليهم الوعي المغيب، ليقول لهم ان الحلم سيد الاخلاق وان قاسم تحول الى رمز للتسامح.. وعلى اختلاف آراء مناوئية، الا ان احدا منهم لا ينكر خصاله الانسانية وخاصة تلك التي تتعلق بمعاملة المعارضين له). وهذا ما نحن بأمس الحاجة اليه في عراق دولة القانون المستقبلية.

وظهر فريق آخر يكتب عن هذا الرجل باستحياء وخجل، يذمه في جانب ويمجده في آخر، يشير اليه باحرف كبيرة في بعض من ممارساته، التي تتطابق ورؤيتهم الانتقائية من خلال ثنائية الجيد / السيء، والمتطابقة مع افكارهم التي لا تستطيع استلهام مشكلات الوطن ضمن غنى مكوناته الاجتماعية / الاثنية. ثم ينقبون عن انحرافات قاسم ضمن هذه الرؤية، ليصبوا جام غضبهم عليه وعلى مفردات ما نوى القيام به، اذ لم تتلاءم وطموحاتهم، وليس لتقييم الرجل بموضوعية، بل محاولة الاستعاضة النفسية المفقودة لديهم نتيجة عدم تحقيقهم للشعارات التي حاربوا قاسم بها من قبيل: الوحدة (الفورية) وعدم تشكيل مجلس قيادة الثورة. حتى صار هذان المطلبان، وخاصة الاول، محور صراعهم السياسي سابقا والفكري حاليا. برغم انهم يعلمون ان هذين المطلبين كانا بمنزلة غطاء عقائدي / تبريري تستروا بهما من اجل الاستحواذ على السلطة وتحقيق رغائبهم الحزبية الضيقة. لانهم حالما استلموا السلطة، وسعوا من نطاق استبدادها وتشديد مركزيتها، عزفوا عن السير العملي خطوة واحدة في تحقيق هذين المطلبين وخاصة مطلب الوحدة (الفورية او غير الفورية) برغم رنينها الاعلامي الصارخ في غلوائه.. لقد تحول هذا الهدف (الانساني في جوهره وضرورته) في الممارسة العملية الى شعار اكثر قطرية حتى من القطريين بل امسى ذا بعد مديني متريف، ليستقر في نهايته المنطقية في بعد اضيق عشائري/ اسروي.

والاكثر من ذلك تم (تحويل الوحدة العربية من طابعها الجماهيري وسحبها من حياة الناس الى الفنادق يعني امرا في منتهى الغرابة، وسيكون الاغرب ان يتم تحنيط احد انبل الاهداف المركزية للنضال القومي العربي في مؤسسة دراسات تجعل الوحدة وكأنها اصبحت اثرا من الاثار القديمة التي تدور حولها عمليات البحث والتنقيب، في الوقت الذي يستبد بالشارع العربي جيل من المنتمين الى الاسلام السياسي).

قد يهمك أيضاً

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان