الجعفري .. كلمة معاناة أم ترف
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
{ / كلمة معاناة أم ترف ! \
الكلمةُ هي الكلمةُ كوحدةِ تعبيرٍ في منظومة فكر لكنها تختلف في تأثيرها ومدياتها من متحدثٍ لاخر … ومن فضاءِ ظرفٍ الى فضاءِ ظرفٍ مغاير … وفي غمرةِ إحساسٍ مفعمٍ بحبٍّ أم ملوّثة بسوء وحقد وكراهية !! …
المعاناة إحساسُ مرارة تصقل نفسَ صاحبها جرّاء واقعٍ ما يكتوي بناره فيتولّد فيه فكرُ تجربة وإنسانيةُ شعور … يبعث صاحبها على صناعة موقفٍ متى شاء مهما كانت استحقاقاتُه والنتائج المترتبة عليه …
الحديث من موقع الترف نسجٌ من وحي عالم الخيال وإطلاقات انفلات متحررة من أي التزام وخالية من الهدفية … أُنسٌ فكريٌ مجرّد ينحى باتجاه ما وسرعان ما يتبدل الى اتجاه مضاد !! … ليتلاشى أخيراً على شاطئ الواقع …
المعاناة تضع صاحبها أمام فكرة منتزعة من إحساسٍ مرير ما أسرع أن تضعه أمام ارادة رفض جامحة مستجلية سبل التخلص منه بافضل أسلوب … والارادة سرّ القوة والديمومة وهي ما تمنح الفكرة واقعيةً وتضفي على حاملها بعد الانسجام في كل ما يقول ويشعر …
مفرداتُ التعبير في كلامه منسجمةٌ مع مفردات التطبيق في سلوكه … مع ما تنطوي عليه نفسه من مفردات المشاعر … المُمارسُ في حاضره استمرارٌ لما مارسه في ماضيه الا في حالة استجدت عنده قناعة … تدفعه نحو واقع جديد هو متواصلٌ ومنسجمٌ مع واقعه السابق ليجمع بين تجديد قناعة وأصالة فكر ما يتميز به ورسوخ موقف يكشف عن وحدة فهم وثبات إرادة …
“تلاعب ألفاظ” أو “عبث مشاعر” في غليان “حب أعمى” أو ب”اصفرار حقد دفين” !! أو اسوداد “نظرة متشائمة” !! أو وردية أحلام لا تمس واقع ولا تعبّر عنه !! … لا تعبّر الا عن تمزُّقٍ نفسيٍّ يستحكم بصاحبه ليُرديه
صريعاً في كلِّ جولةِ تجربة !! …
المعاناة الهادفة إحساس رفضٍ لواقعٍ مرِّ ينطوي على إرادة عبورٍ لواقعٍ جديد … يزيل عنه ركام الماضي ويتطلع لبناء مستقبل … يرفض هدر الوقت والمراوحة في المكان … رغم عمى الجهل وصخب الجهالة …
حين تؤطَّر الكلمة بأبعاد عمقٍٍ لمعطٍ ما وبُعد إستهدافٍ لمتلقٍّ آخر وبُعد غايةٍ لمراد معين وبُعد واقعية لتجربة … تبلغ أقصى مدياتها في التأثير ما دامت تتجلى بأبهى صورها في الصدق …
إنها ولا شك تتلازم مع ظرفها الموضوعي لتتجدد مع الزمان دون أن يحبسها في وعائه الآني أو يستفرغ أيّاً من مضامينها … أحلى ما بها أنها تحمل مفهوماً في منظومة فكر وتنبض تجسيداً في عروق ميدان …
كتبٌ تؤلف وخطبٌ تُلقى وندواتٌ تُعقد وأفلامٌ ومسلسلات تُخرج تتقاسمها اتجاهات … اتجاهٌ يستهدف بناءَ واقعٍ جديد لا يرزح تحت عُقَد الماضي ولا يكبّل بقيود الاحقاد والشكوك وردود الأفعال … واتجاهٌ يلبّي الحاجة الماسة للمتعلم الذي يروم التعرّف على الحقيقة … واتجاهٌ يفجّر القوة والابداع لدى المتلقي ليُنشأ منه جيلَ صعود ويدفعه نحو طريق الارتقاء … واتجاه يقف عند حدود التكسّب والاحتراف ليحقّق منفعةً ما دون أن يخطو خطوةً نحو البناء … واتجاهٌ يدور في شرنقة الذات الفنية التي تحوّلت الى هدف … فكان عنده الفنُّ من اجل الفن والسياسةُ من اجل السياسة والشعرُ من اجل الشعر وكلُّ مفردة من اجلها وليس من اجل الحياة … واتجاه لبناء دولة تُرسي صرحها على قاعدة العدل وتذود في الدفاع عن كرامتها واسترجاع سيادتها وثرواتها المهدورة … واتجاهٌ ينحى مبادراً لإشاعة المحبة والسلم في ربوع العالم ووضع حدٍّ لما مُني به من مآسي وآلام … واتجاه واتجاه …
الكلمة تطبعها إحدى صفتين لتكون “الكلمة الطيبة” أو”الكلمة الخبيثة” وكل واحدة منهما كشجرةٍ … الطيبة منها توتي أكلها بعد حين لاحق … ما بين زمن بذرة الكلمة وزمن قطف ثمارها مدة قد تقصر وقد تطول … “أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ”
فيما تكون الكلمة الخبيثة كالشجرة الخبيثة لا قرار لها لانها مُجْتثَّة مهما كان منظرها … ” وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26)
عظمة الانسان من عظمة كلمته قولاً وفعلاً … كيفما كانت يكون … ” }
ذكرناكم بالدعاء
الجعفري








