الحكاية نفسها.. العربة والحصان
جمعة عبد الله مطلك
سؤال بديهي يطرح نفسه بقوة البديهة نفسها، وبدافع المصلحة ثم باصول العقلانية: هل يمكن تصور “مجرد تصور” إنشاء نظام ديموقراطي من دون مؤسسات، أي من دون دولة بمعاييرها الحديثة؟ فهذا السؤال لا يعد ترفا نظريا أو تجريدا في عوالم السياسة خاصة لتماسه الشديد مع الواقع العراقي. ليس بامكان النخب السياسية الوصول الى تفاهمات كبرى، أو الالتقاء في منطقة الوسط على امور تخص الشأن العام من دون امكان ترجمتها عن طريق المؤسسات.
وأخطر ما يصيب هذه المؤسسات “ان كانت موجودة” هو شكلانيتها وعدم تأصلها في الثقافة العامة. ان ذلك يحول البلاد “اي بلاد” برمتها الى ساحات للتنافس غير السياسي. يأخذ هذا التنافس أشكالا مختلفة بمضمون واحد هو غلبة المصالح غير المشروعة والضيقة على الحراك العام. ثم يعبّر هذا التردي عن نفسه بتحوله بحد ذاته الى مؤسسة بسدنتها وخدامها ومصالحها.
في هذا الحال، لا يبقى للديمقراطية ولا للمشاركة الاجتماعية الواسعة سوى الاسم. وتفرض وقائع الانكسار والاحباط نفسها على الانسان العام الذي يتحول هو الآخر الى أداة “قدرية” بيد من يمتلكون مصيره ويستطيعون تقرير هذا المصير بكل سهولة ودون وازع.
تراكم المجتمع رفضه للعلاقة غير المؤسسية في الدولة، ويعبر عن هذا التراكم بأشكال مختلفة، وما يجري اليوم في البلدان العربية هو التعبير الأكثر عنفا منظما ومدنيا “أو عسكريا” ضد غياب فكرة الحق عن الدولة العربية الحديثة التي تمثلها المؤسسة والمجتمع المدني وتتركز عميقا في الثقافة السياسية للناس.
لم يعد ممكنا لأية طبقة سياسية بعد الآن أن تخفي قصورها وجشعها وارتباطها بلوثة التسلط والمنافع غير المشروعة. والطريق الى عبور هذه المازق مجتمعة يتوقف هو الآخر على درجة وعي الثقافة العامة وقدراتها على التبلور في أشكال من التعبير والاحتجاج وطرح البدائل.
وباختلاف النوايا، فان التوصيف الدقيق لما يجرى في العملية السياسية في العراق، فانه أزمة بنيوية، أي ليست عارضة. فالعطالة السياسية العراقية قد تمكنت من أساسيات العمل السياسي ودينامياته الداخلية، فلم تعد مقتصرة على مجموعة فاشلين أو متسلقين يمكن للعملية السياسية نفسها أن تصحح أوضاعها معهم في المستقبل.
من الواضح ان العملية السياسية تحاول أن ترهن مصير البلاد بشخوصها. ان ذلك يمثل ترجمة لإزدراء العمل المؤسسي او عدم القدرة على رؤيته. وفي كلا الحالين فان العبور العراقي الى التحقق الدولتي والاجتماعي يبقى رهينة بيد القدر اكثر من حاجته ان يكون صناعة عقلانية راكزة وواضحة الطريق.








