المقالات

التنميط الثقافي

جمعة عبد الله مطلك 

ماذا تعني المفردة التي يجرى استخدامها يوميا عن الثقافة العراقية؟ بمقدار بداهة المفردة فان تعريفها الحصري مختلف عليها كثيرا للعراقية وغيرها. إلا أن اتفاقا يكاد ينعقد حول الدور الذي تمارسه الثقافة في هيكلة الوعي الادراكي، ورسم التصورات التي يصدر عنها السلوك الفردي والجماعي.

واستنادا الى هذا “الاتفاق” فان وظيفة الثقافة متحولة في المجتمعات، لكنها ثابتة مبدأيا وفي التعريف في صياغة التصورات والرؤى بما فيها الرؤى السياسية ومضمون الاخلاق.

 تمثلت وظيفة الثقافة الاسلامية بعد نزول الوحي في اخراج العرب، خاصة، من قصور الوعي وربط التوحيد بالعدل. ولهذا السبب ربطت الثقافة الاسلامية عرب الجزيرة المقطوعي الصلة بالتاريخ بالابراهيمية وأعادت الاعتبار لهم حتى  اصبحوا افضل مجموعة حضارية في القرون الوسطى. وقبل ذلك قاومت الثقافة الاغريقية الاحتلال الروماني لأثينا.

لقد ساهمت هذه المقاومة في تبني الرومان للثقافة الاغريقية حتى أصبحت روما تفكر بعقل اثينا. وفي العصر الحديث استطاعت الثقافة اليابانية نزع توحش العسكرة الذي هيمن على المجال الادراكي الياباني حتى تم اعادة اليابان الى سلوك طريق المدنية المعافى من امراض الاعتداء والنزعة العسكرية غير الدفاعية. وحصل نفس الأمر مع الألمان بعد الإبتلاء بالنازية. كما حصل ويحصل في تجارب متعددة استطاعت خلالها الثقافات ان تنتصر “بوعي” لحاجات الشعوب وتطلعاتها في صيانة وجودها اخلاقيا والعيش بسلام، وتذوق الجمال والاخلاق العملية، وفي تفسير كيفية وعي الثقافة لذاتها، ثم نقل هذا الوعي التغييري الى الشعب، فثمة تأويلات وتجارب لا حدود لها.

كيف نحدد اليوم وفق هذه الشواهد سؤال الثقافة العراقية وامكاناتها؟ أما عن السؤال فيمكن افتراض وظيفة رئيسة لهذه الثقافة ان تنمط الانسان العراقي العام ان يعرف كيف يعيش ويسلك وينتظم. انها في المحصلة الثقافة المتجهة الى الانسان العام ومشاغله وبضمنها وسيلة هذا الانسان للتحقق والسعادة أي الدولة الحديثة. لكن اطلالة على مشاغل هذه الثقافة ودينامياتها تظهر واقعا شديد الالتباس. أكثر مواطن الالتباس صعوبة تتعلق بالمرجعيات. فمرجعيات الثقافة العراقية ومشاغلها ليست مؤنسنة بدرجة كافية لتتجه الى بصيرة هذا الانسان العام التي أعمتها أكداس من تجارب التاريخ الفاشلة وحاصرتها قوانين الحداثة الشرسة.

اما موضع الإلتباس الآخر فيتعلق باختزال الثقافة العراقية الى منتجيها من الافراد، أي ان حركة ثقافية تصل الذاكرة بالوقائع المتحولة لتغييرها ليست ممكنة في ظل هذا الاختزال. ولهذه الاسباب لا يمكن في بلادنا، بسهولة، الاتفاق على ما هو صح او خطأ للاغلبية من الناس.

يصدق هذا على أبسط تعامل لدى شباك تذاكر أي مؤسسة او في تعامل الطبقة السياسية مع فكرة الزمن. انها بالفعل ازمة الانساق الثقافية الحاكمة المتحدرة من أمكنة قد نعرف بعضها ومن زمان لا نستطيع الالمام بحدوده.

 

 

قد يهمك أيضاً

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان