جمعة عبد الله مطلك
في العلوم الطبيعية كما في بعض جوانب السلوك الانساني تصل الامور نقطة لا يعود بعدها الرجوع عن هذه النقطة ممكنا . ففي الفيزياء مثلا فان نقطة التوازن هي منتصف العصا . فاذا اتجهت او مالت العصا الى احد الجانبين فانها تميل بهذا الاتجاه حتما . والفارق بين قوانين العلم الصرفة وقوانين الاجتماع الشبري والانساني هو تدخل الارادة البشرية في صنع هذه النقطة بعد وعيها . واستنادا الى هذه ” المطولة النظرية ” ما هي النقطة التي يمكن ان يخطوها المجتمع والدولة العراقيين دون امكان العودة الى نقطة الصفر ؟ والخطوة المقصودة ان يستثمر العراقيون مجموع الفرص او احداها التي اتيحت لهم في التاريخ الحديث لينتهوا من نقطة الصفر والعودة اليها . ومن دون الخوض في الفرص المضاعة فان الفرصة الحالية تتمثل بالانكشاف الستراتيجي الذي تعانيه الدولة الامنية والبوليسية التي اعتاد العراقيون العيش في ظلها امادا موغلة في التاريخ .
ويمكن ان يكون هذا الانكشاف معضلة للانسان العام وهذا الاخير وقد افنى ما يقرب من خمسة الاف سنة من عمره بحثا عن الستر والغذاء لا يهمه كثيرا ان ينقلب التاريخ . انه لا يفقه ان هذا الانقلاب سوف يؤمن الرزق والستر مع موفور الكرامة ومضارعة المجتمعات المتطورة والخلاقة . وتستاثر النخب الثقافية والسياسية باحتكارها الغاز هذه اللحظة المفصلية وكيفية اشباعها وانضاجها ثم تعميمها مؤسسيا وتربويا . وفي كل مرة تنتكس لحظة التحول العراقية بفعل عدم تحديد القوى الاجتماعية القادرة على تبني هذه اللحظة وحمايتها وتنميتها . وبعد ذلك لابد ان نسال عن هذه القوى التي يهمها اليوم ان يخرج العراق من هذا الاختبار العظيم موحدا معافى لا يحترف الجنون ولا يقدس الخبل الاجتماعي . واذا كان صعبا وصف هذه القوى بدقة فان التاشير على القوة الصامتة يمكن ان يكون صحيحا ورهانا بنفس الوقت .
نلمس جميعا في المجتمع العراقي طاقات انسانية واخلاقية وعلمية انكفأ اصحابها عليها وعلى انفسهم وشكلوا حالة فريدة ربما في تاريخ المجتمعات . هؤلاء المنكفئون على مواهبهم وذواتهم كانوا قد اختاروا احد المنفيين : اما النفي خارج البلاد والهجرة ومن هناك يستمطرون دموعا على فردوس يغطيها الجنون وتحوطه مجاميع من الزعران تحدروا من الاف السنين . واما المنفى الثاني فهو الذات التي استقر في اعماقها ان لا امل يرجى وسط هذا السديم الذي ابتنى لنفسه طاقة لا يمكن مقاومتها ومناعة ضد التقدم والحرية لا يمكن اختراقها .
ويكاد العراق ان يتفرد بهذه المعادلة المازومة على مستوى المجتمع والدولة والفرد . لقد جاوزت هذه الثلاثية حدود المعقول في معاندتها تاريخ المدنية ومعاصرة الحياة وصناعة قوانينها بما يليق بحدود الادمية والزمن .
ان خيط الامل الموصوف الذي يؤطر هذه المعادلة هو احساس المنفيين داخل مواهبهم وذواتهم باهمية هذه الفرصة وبان احتراف الفشل وتبريره لم يعد قادرا على رتق السفينة فقد بانت قوة المد وان خيار السكوت او الانكفاء لن يمثل سوى العدم عينه .








