جمعة عبد الله مطلك
ربما يرقى الكلام عن محكمة عدل عربية او اسلامية الى مستوى الخيال الرومانسي السياسي. بيد ان ظروف المنطقة ومنذ عقود تحتم من نواح عدة إنشاء هذه المحكمة والزامية قراراتها. وسبب رومانسية الفكر ان الانظمة والقوى الاجتماعية في الدول العربية والاسلامية، لم تنضج بالدرجة الكافية لتحتكم الى القانون في منظومة حقوقية واضحة وملزمة للجميع. اذ تمارس الحكومات مع شعوبها سياسات المخاتلة واقتناص الفرص وفق المبدأ الاستعماري التقليدي “فرق تسد”. وفي الاحوال التي “تضطر” فيها الدول العربية او الاسلامية الى التعاون فان اغلبها ينطبق عليه نهيه تعالى “ولا تعاونوا على الاثم والعدوان”.
ولا إثم اكثر فضائحية وخرقا لكل اخلاقيات الوجود والسياسة مثل الاستعداء الذي مارسته دول ومنظمات واجهزة اعلام ضد البحرين وانتفاضتها. ان هذا الاثم ليس جديدا، لكن فضيلته ان كانت له فضيلة انه لم يعد من الممكن اخفاء هذه التفاصيل، كما كان يحدث، وقد عشنا تفاصيل الاخفاء في العراق بقسوة قل نظيرها خاصة في ظروف الانتفاضة الشعبانية وكذلك قبلها وبعدها عندما تحولت البلاد الى سجن كبير لأهلها واحرارها.
في الخلافات التي تجرى بين دول عربية واسلامية على الحدود او قضايا اخرى يتم اللجوء الى محكمة العدل الدولية في لاهاي. والحقيقة فان هذه المحكمة متوازنة ومهنية وتعبر عن إرث انساني للجميع. بيد ان الرمزية التي ينطوي عليها وجود محكمة عدل اسلامية يعد اضافة مهمة الى تطور القوى السياسية والاجتماعية خاصة الاجيال التي قامت وتقوم بفعل الثورات الشعبية الحالية. ففي قضية البحرين، مثلا، يمكن لهذه المحكمة المفترضة ان تحكم ببطلان دخول قوات درع الجزيرة الى البحرين، واعتبارها موجهة ضد الشعب، كما في النظام الداخلي لدول مجلس التعاون الخليجي.
ان محكمة مثل هذه ليست ملزمة في قرارتها مثل محكمة العدل الدولية اذ تستند هذه الاخيرة الى قوة الانظمة القانونية في الغرب ودرجة شرعية الانظمة السياسية والمسار التكاملي للعملية الديموقراطية هناك.
في الظروف الحالية، يمكن بسهولة النظر الى التخلخل وفقدان التوازن الذي اصاب اساسيات منظومة الحكم والسياسة والثقافة العربية. وبالتوازي مع هذا الضعف للقوى التقليدية، فان انبثاقا لقوى جديدة اكثر شرعية يحدده بالدرجة الاولى الاصرار على الانتفاضات ثم السهر على حراسة منجزاتها ليتم بعد ذلك تحويل ثمراتها الى وقائع يمكن ان يشعر بها كل المعنيين.
لا يمكن لأية تجربة سياسية ان تكتسب المشروعية الكافية، ولو بحدها الادنى، دون مضامين وأطر حقوقية تتوفر على حدود معقولة من الالتزام. وبدون هذه المعايير تستطيع أية سلطة ان تفترس شعبها وتحول جهاز الدولة برمته لخدمتها. ان ذلك ما يحدث اليوم بالضبط بكل تفاصيله البشعة والكاريكاتورية، على مدار الساعة والشاشة في ليبيا.
اما البقية فليست اقل درجة، لكن الايقاع الشخصي للقذافي جعل من ازدراء القانون ونظريات الحقوق من الانظمة والسلطات العربية امراً يرقى الى مستوى قانونها الرئيس في الحفاظ على البقاء فقط.








