المقالات

(حتى ابو الكاهي صار محلل سياسي)!

 

عبد الكريم الزيدي

 

 

 

منذ أكثر من ثلاثين عاما وانا اعرف عن الأخ حسن ابا فراس رجل عراقي خير بسيط بتعامله مع الآخرين لا يملك الا محل صغير في محلتنا الشعبية يعمل فيه الكاهي صباح كل يوم ويعيش من خلال عمله هذا هو وعائلته العراقية الأصيلة البسيطة. لكن ما لفت انتباهي  في هذه الأيام الأخيرة هو تحول هذا الرجل البسيط إضافة الى عمله كبائع كاهي الى محللا سياسيا! حيث اجده متابعا للإحداث السياسية والعسكرية والامنية من خلال مواصلته لسماع ومشاهدة نشرات الإخبار اليومية وقراءته الصحف بشكل يومي وهذا ما جعله لا يتحدث الا في السياسة. ودفع بيّ الفضول ان اسأله مازحا معه (عمي ابو فراس انت تبيع كاهي لو محلل سياسي؟) انتفض الرجل ورد عليّ وهو غاضبا: هل ان المحلل السياسي افهم مني؟ قلت له عفوا واعتذرت منه فقبل اعتذاري وواصل حديثه قائلا نحن اليوم نعيش في بلد تسوده الفوضى العارمة وتشوبه الشكوك من كل حدب وصوب. فقلت له كيف ونحن نعيش في بلد الحرية والديمقراطية؟ أليس أفضل مما كنا فيه في عهد النظام السابق؟ فرد عليّ مبتسما: اين هي الحرية والديمقراطية؟ عمي.. من يدعون الثقافة والسياسة وقادة البلد لا يمارسون الحرية والديمقراطية كما يجب فماذا تنتظر من عامة الناس؟ فقلت له كيف يا ابا فراس؟ قال لو كان المثقف والسياسي القائد يعي معنى الحرية والديمقراطية لما ضحك علينا بهاتين الكلمتين بدلا من ان يقوم بواجباته الصحيحة ويعوضونا ما فاتنا من حقوق سلبت منا في وضح النهار ابان عهد النظام السابق، حيث كان من يطالب بحقه قد يحكم عليه بالاعدام، في حين ان (الربع)، ويقصد مسؤولي العراق الجديد، سمحوا لنا ممارسة الحرية والديمقراطية ونقول ما يدور في خلدنا بأعلى أصواتنا دون تردد وخوف لكنهم لن يسمعوننا! والدليل التظاهرات التي خرج بها العراقيون هنا وهناك كانت الغاية منها المطالبة بتحقيق العدالة وتوفير الخدمات والقضاء على البطالة والفقر وكل معاناتنا ولم يستجيب مسؤولا لهذه المطالب المشروعة حتى استغلت هذه التظاهرات ومن كان يقوم بها من العراقيين البسطاء من قبل اعداء العراق على مستوى دول عربية وغير عربية لا تريد لبلدنا الاستقرار، فجندوا البعض من ضعاف النفوس خصوصا من هو في موقع المسؤولية وفي كتل سياسية لها ثقلها في العملية السياسية، وصرفت لهم الاموال والضمانات المستقبلية لهم ولعوائلهم، فسارعوا هؤلاء الذين ابتلى بهم عراقنا الغالي (سياسيو الغفلة) ليكشروا عن أنيابهم وحولوا أماكن التظاهرات الى مأوى للارهابيون وجعلوا التظاهرة السلمية تكون تظاهرة إرهابية حتى وصلنا الى ما نحن عليه اليوم بدخول عصابات داعش ليعيثوا في الارض فسادا وجعلوننا نعيش في خطر يداهمنا ولا نعرف كيف سيكون مصيرنا ومصير عوائلنا! فقاطعته متسائلا: طيب عمي ابا فراس برأيك كيف سيكون الحل؟ قال لا اعتقد هناك حل بما ان تسعين بالمائة من حكامنا وقادتنا ينقسمون الى قسمين القسم الأول جهلة ولا يفقهون شيء من عملهم! فقلت له: كيف؟ ممكن تفسر لي؟ قال: انا بائع كاهي هل يجوز ان اكون في ليلة وضحاها مديرا عاما في احدى دوائر الدولة؟ قلت له: بلا شك لا يجوز. فقال لي هذا ما حصل مع القسم الاول من الذين يقودوننا اليوم. فقلت له طيب وما هو القسم الثاني؟ فقال الفاسدون الذين لا يملكون ذرة من الوطنية وذرة من مخيفة الله. هؤلاء لا هم لهم سوى مصالحهم الشخصية وتحقيق ملذاتهم الدنيوية والعمل وفق أجنداتهم التي جاءوا بها من الخارج. فقلت له ماذا عن العشرة بالمائة الذين لم تذكرهم في حديثك؟ قال هؤلاء قد يكون لديهم الوطنية ومخافة الله لكن لا حول لهم ولا قوة كونهم يعيشون في دائرة (القوي فيها ياخذ الرجيج) وهؤلاء اضعف من ان يقاوموا هذه الآفات التي تحرق الأخضر بسعر اليابس! وقبل ان اودعه قلت له: ابا فراس هل سيستمر الحال على ما هو عليه اليوم؟ قال نعم ولن يتغير الا بذات الالة التي جاءت لنا عام 2003 وغيرت لنا خارطة الحكم والنظام والسياسة في العراق. فحييته وودعته قائلا في قرارة نفسي (حتى ابو الكاهي صار محلل سياسي).     

 

قد يهمك أيضاً

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان