منال منذر
جرحنا العربيّ واحد وها هو يتنقل من دولة عربيّة إلى أخرى حاصداً معه أجمل ما في البراءة من أحلام وسارقاً فرح طفولة منسيّة بين أنياب الظلم، أطفالنا هم الرّجاء وهم التّغيير وهم الأمل، ما زالت أحلامهم تلمع في أفكارهم والعيون فمَن يُنقذ هذه الأحلام بعد أن يُرهقهم النّعاس والتّعب وقبل أن يطويها الزّمن وتخنقها غصّة المأساة والألم، ما ذنب أطفالنا في لعبة السّياسة القذرة، ما ذنبهم ليكونوا وقوداً للدّول العظمى يتدفّأون عليها كلما شعروا بالصّقيع، هل ذنبهم أنّهم وُلِدوا في بلدٍ عربيّ؟!.
هؤلاء الأطفال سيكبرون يوماً وأين ستهربون من مشاعرهم التي اعتصرها الألم فامتزج بالبطولة؟ سرقتم من أحلامهم الفرح فإذا بقلوبهم تغدو مشاعلَ صمودٍ وإباء، قتلتم أطفالاً لكنّكم لم تقتلوا حلماً فخلف كلّ دمعة في عيون من بقي من أطفال، يرتسم وعدٌ جديدٌ وخلف كلّ ألمٍ في صدورهم يولدُ أملٌ جديد، وفي يوم سيصبح هذا الألم غضباً و ويلكم من غضب الأطفال لأنّه الأصدق والأحقّ. أخرجُ إلى الشّوارع هنا في البرازيل أتجوّل في الأسواق، أدخل المراكز التّجاريّة فأرى الجميع في فرح يُحضّرون لمواسم الأعياد و»للمونديال» بابتسامة وأمل خاصّة الأطفال، فأفكّر في بلادي وألمح الحزن في قلوب الأمّهات ونفوس الأطفال مُنبعثاً من أعالي السّماء يخترق كلّ هذه المسافات ليوقظ فيّ حزناً لا يهدأ على جرح وطن عربيّ لا يلتئم، وأشرد مع نفسي وأتساءل لماذا دائماً ومع كلّ عيدٍ أو حدث جديدٍ جرحٌ جديدٌ يولد في أوطاننا، لماذا يُخيّم الحزن دائماً في بلادنا فأجمل أغانينا حزينة وأعذب قصائدنا حزينة وأقرب الأصوات إلى وجداننا تلك التي تحمل شجناً حزيناً وأكثر ما نتذوّق من موسيقى آهات العود وبحّات النّاي الحزين، أَقَدَرُنا ألا يجد الحزن مكاناً يتوطّن فيه إلا في بلادنا، لماذا قدر أطفالنا دائماً ألا يزغردوا فرحاً لقدوم العيد، فمنهم المشرّد ومنهم اليتيم ومنهم المُستغَل ومنهم مَن يبحث عن عمل لينقذ أسرته من الفقر وأكثرهم نعس وغفا وهو يبحث في الظّلمات عن لعبة العيد وضحكة الهدايا، فضاعت أحلامه بين جلّادي واقعه المرّ وسكاكينهم الوحشيّة التي تنحر جسده الرّقيق وطفولته المنسيّة، واستفاق فجأة ليرى أنّ لعبته أصبحت تحدّياً للزّمن المرّ وفرحه أصبح حلماً غافيّاً على وسادة القهر، فضاع بين العيد واللّعبة والحلم يبحث في المجهول عن براءةٍ سُلِبت منه قبل موسم الحصاد.
عذراً أيّها الفرح ما زلت مخطئاً في العناوين، لا تتجرّأ أن تقترب من بلادنا ففوق كلّ حبّة تراب عربيّة جرحٌ عربيّ ينزف، أهملنا قصائدك وأغانيك لأنّ الموجوع وطن والجريح طفل وفي حضرة الأوطان الموجوعة والطفولة الجريحة تُغتال المشاعر وتُذبَح القصيدة ويُرهَق الحبّ فيهجر الفرح الأماكن، ما زال أطفالنا ينتظرون فيك الفرح يا وطني ويحلمون به ولكن من يُنقذ أحلامهم حين ينعسون؟.








