المقالات

مقدمة من مثالية الزهد في الشعر

 

 

د. محمد حسين العبيدي

 

لعل الحديث عن المثالية الزهدية في شعر إبراهيم بن المهدي يعني الحديث عن الخوف من الموت وقدرة سلطانه، إذ أنَّ الخوف من الموت يعني الالتزام بكل ما يجعل الإنسان لائقاً بلقاء الله تعالى، وهذا من باب فهم المعنى زهدياً، علماً أن أول دافع للشاعر للخوف من الموت كان بعد أن أباح دمه الخليفة المأمون فعلمت نفسه وايقنت عظم القدر المحدق به، والغريب في الأمر أن أغلب شعر الشاعر يعج باللهو والأُنس، والتي بدت جلية من خلال لغته الشعرية والفاظها ومعانيها التي صورت في مجموعها حياة الشاعر التي كانت قائمة على الترف والغناء الذي اشتهر به وذاع صيته، وذلك لحياة القصور المترفة والمنعمة التي عاشها بين الجواري واتقن فن الغناء فيها من خلال حضوره لمجالس الغناء والطرب، فاجتمع لدينا تناقض ما بين حياة الترف وحياة الخوف من الموت التي أخذت شوطاً من حياته، والتي هي موضوع دراستنا لبيان هذه اللمحات وما تحمله من دلالات وقيم ولغة شفافة رسمت حالة الزهد التي قد تكون ومضات إنسانية جسدت مرحلة معينة من حياة الشاعر ونفسيته، التي ربما تكون قد قالها وهو في حالة انتشاء روحاني في مخاطبة الذات قبل الغير؛ وهي لحظة معينة تقف فيها هذه الذات وقفة توبة لتتجلى في الرجعة والاستغفار إلى باريها؛ فهي يقظة لا شعورية عبر من خلالها عن لحظات مصيرية موحية، قد تكون جاءت نتاج عن ارتباكات نفسية تداخلت ما بين حياة اللهو ولمحات الزهد التي مرت به عبر مرحلة التفكير والتأمل العميق، بعد أن نسجها بطريقة وعظيه تسعى لتطويع النفس وترغيبها إلى الامتثال بالقيم الخلقية الرفيعة التي اوصى بها الدين الحنيف، وسار عليها السلف الصالح للترفع عن ملذات الدنيا والعمل من أجل نيل اسمى المراتب في الجنة والفوز برضى الله تعالى، على الرغم من قلة الأبيات التي احصيناها تحدثت وبشكل وعظي عن ترك الدنيا والتفكير في الموت والاستعداد للرحيل والقناعة والرضى بما كتبه الله تعالى له في الدنيا من مصير. إذن هناك مفارقة لابد من الإشارة إليها في شخصية الشاعر، بين ما كان عليه من ترف وغناء وبين ما أصاب نفسيته من فتور بسبب العمر، أو الخوف من مصيره المجهول أبان خلافه مع ابن اخيه المأمون واستناره عن أعين الرقباء، وربما شكل عنده ذلك الاضطراب صدمة أعادته إلى النزوع بالتفكير في مصيره، أو ما سيؤول مستقبله من أحداث غامضة، مما دفعه إلى اللجوء إلى النظر في حتمية المآل التي انعكست صدى نفسيا يرمز إلى ملامح زهدية حقيقة ذات مقصد واقعي.


http://khabaarpaper.com/index.php/%D8%A2%D8%B1%D8%A7%D8%A1/index.1.html

 

 

 

 

 

قد يهمك أيضاً

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان